
أشرف أبو عريف
في ساحة تيان آن من الشهيرة ببكين، وتحت وقع خطوات الجنود المتناغمة وصوت الطائرات المقاتلة التي شقت سماء العاصمة، أحيت الصين الذكرى الثمانين لانتصارها في حرب المقاومة ضد العدوان الياباني. لم يكن العرض العسكري مجرد استعراض للقوة، بل كان مشهداً سياسياً وشعورياً يتقاطع فيه الماضي بالحاضر، وتتشابك فيه ذاكرة الأمة مع مشروع نهضتها المعاصر.
التاريخ كسلاح استراتيجي
أكد الرئيس شي جين بينغ أن تلك الحرب مثلت أول انتصار كامل للشعب الصيني ضد الغزو الأجنبي في التاريخ الحديث. عبر هذا الخطاب، لم يُستدعَ التاريخ للتذكار فقط، بل ليُوظَّف كركيزة شرعية تُظهر الحزب الشيوعي باعتباره حامي السيادة وقائد النهضة. كما أُعيد تقديم الصين للعالم لا كضحية فحسب، بل كقوة صانعة للسلام ومانحة للأمل في زمن مضطرب.
السلام المسنود بالقوة
في الوقت الذي شدد فيه شي على «مجتمع المصير المشترك للبشرية»، كانت منصات العرض مكتظة بالصواريخ الباليستية والمعدات الرقمية المتقدمة. المفارقة هنا أن السلام بدا مشروطاً بامتلاك القوة؛ فالعرض جسّد رسالة مزدوجة: تمسك الصين بالتنمية السلمية، مع الاحتفاظ بقدرة ردع لا يُستهان بها.
ذاكرة المقاومة كأداة تعبئة
تجلّت القوة الرمزية في تفاصيل العرض: الأعلام، الهتافات «العدالة ستنتصر، السلام سينتصر، الشعب سينتصر»، وتشكيلات الطائرات التي رسمت الرقم «80» في السماء. كل ذلك لم يكن مجرد طقس احتفالي، بل أداة للتعبئة الوطنية تربط بين تضحيات الماضي ورؤية «النهضة العظيمة» في الحاضر.
رسائل للعالم
بعثت بكين بثلاث رسائل أساسية:
- للداخل: الحزب يبقى الضامن الأول للسيادة والكرامة.
- للإقليم: الصين تملك من القوة ما يكفل حماية مصالحها في البر والبحر والفضاء والفضاء السيبراني.
- للنظام الدولي: رؤيتها للسلام جزء لا يتجزأ من توسع حضورها الاستراتيجي.
خاتمة: الذاكرة قوة متجددة
لقد كان العرض العسكري بمثابة جسر يربط الذاكرة بالمستقبل. فالمقاومة التي جسدت صمود أمة في وجه العدوان، صارت اليوم عنواناً لمشروع القوة الصينية الجديدة. وفي تداخل «صدى المقاومة» مع «ظلال القوة» يتضح أن الصين لا تستحضر الماضي لتكرار المأساة، بل لتأكيد أن نهضتها قدر لا عودة عنه.



