رئيس التحريرسلايدر

حمامة بين النارين… تُحلّق بخيوط الأمل!

اتفاق وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحماس بين الواقعية السياسية وشغف النجاة الإنسانية

Listen to this article

أشرف أبو عريف يكتب

في لحظة مشحونة بالتعب والإرهاق السياسي، خرجت من بين رماد الحرب في غزة حمامة بيضاء تحمل غصن زيتون. ليست مجرد صورة رمزية، بل إعلان رسمي عن اتفاق لوقف إطلاق النار بين إسرائيل وحماس، وبدء المرحلة الأولى من خطة أميركية طموحة تتكوّن من عشرين بندًا لإنهاء دوامة الدم والنار التي استنزفت البشر والحجر على مدار عامين.

بوادر الانفراج… أم استراحة محارب؟

الاتفاق، الذي رعته الولايات المتحدة بمشاركة كل من مصر وقطر وتركيا، يهدف إلى إطلاق سراح الرهائن مقابل الأسرى الفلسطينيين، وانسحاب جزئي للقوات الإسرائيلية من داخل غزة، وفتح ممرات إنسانية واسعة النطاق تتيح تدفق المساعدات وعودة النازحين.
غير أن السؤال الأهم: هل نحن أمام بداية نهاية الحرب، أم أمام هدنة أخرى تُكتب بالحبر وتُمحى بالرصاص؟

بين ضغط الواقع وحسابات السياسة

من الناحية السياسية، يواجه الاتفاق تحديات معقدة. فالحكومة الإسرائيلية، التي تواجه انقسامًا داخليًا حادًا، مطالبة بتقديم تنازلات مؤلمة للرأي العام، أبرزها الإفراج عن مئات الأسرى الفلسطينيين. وفي المقابل، تبدو حماس حذرة من “الفخ السياسي” الذي قد يحوّل الهدنة إلى وسيلة لتجميد الواقع الإنساني دون تغيير جوهري في الحصار المفروض على القطاع.

أما واشنطن، التي دفعت بالوساطة إلى الواجهة، فترى في هذا الاتفاق فرصة لإنقاذ ما تبقى من مصداقيتها في الشرق الأوسط، بعد عامين من حرب أحرجت صورتها أمام الرأي العام العالمي وأظهرت حدود نفوذها على إسرائيل.

الإنسان قبل السياسة

وسط الحسابات الجيوسياسية المعقدة، يظل المشهد الإنساني هو الأكثر إيلامًا. ملايين المدنيين في غزة ينتظرون أن تتحوّل الوعود إلى واقع: مياه صالحة للشرب، مستشفيات عاملة، وممرات آمنة للعودة إلى المنازل التي تحوّلت إلى أنقاض.
وهنا تتجلى المفارقة الكبرى: فكل هدنة تُعلن في الشرق الأوسط هي في جوهرها فرصة مؤقتة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من إنسانية الحرب، لا نهاية لها.

السيناريوهات المفتوحة

المرحلة الأولى من الاتفاق قد تنجح في خلق “هدوء هش” على الأرض، لكنها لا تضمن استدامة السلام ما لم تُرفق بجدول زمني واضح لإعادة الإعمار ورفع الحصار.
تاريخ المنطقة مليء بالهدن المؤقتة التي سرعان ما انهارت أمام أول رصاصة أو تفجير. ومن دون آلية مراقبة دولية شفافة وضمانات حقيقية للطرفين، ستظل الحمامة البيضاء تحلّق في سماء ملبّدة بالدخان.

خاتمة

اتفاق وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحماس ليس نصرًا لأحد، بل هدية مؤقتة للإنسانية في لحظة احتضار الأمل.
إنها حمامة بين النارين، لا تزال تخاف الرصاص لكنها تُصرّ على الطيران، حاملة غصن الزيتون فوق ركام مدنٍ أنهكتها الحروب، في انتظار أن تُبنى على الأرض جسورٌ تُشبه السلام أكثر من الصفقات.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى