
بقلم: م. هاني ميلاد حنا
سياسي وناشط مجتمعي مصري
في الشرق الأوسط، لا تُولد العلاقات بين المكونات الاجتماعية بقرارات فوقية مرتجلة، ولا تصمد إن أُقيمت على رمال التفاهمات المؤقتة. إنها تنضج على مهل، تُصهر في أتون التجارب الطويلة، وتُصقلها الأزمات والامتحانات التاريخية المشتركة.
وفي هذا الفضاء الممتد، تبدو العلاقة العربية – الكردية كواحدة من أكثر الروابط تعقيداً، لكنها في الآن ذاته، الأكثر غزارة في قناعتها بـالتحول والتشكل الإيجابي، شريطة أن نخلع عنها عباءة القراءات التقليدية التي حبستها لعقود في زوايا الهواجس الضيقة.
إن ما جرى خلال السنوات العجاف الماضية، لا سيما في الجغرافيا السورية، لم يكن مجرد صراع عابر؛ بل كان اختباراً قاسياً ومصيرياً لبنية هذه العلاقة. اختبار صحيح أنه نكأ بعض الجراح وكشف مواطن الهشاشة، لكنه في المقابل فجّر مساحات غير متوقعة من التلاقي، وأثبت قدرة عجيبة على المغزل المشترك والعمل الجماعي في أحلك الظروف.
اليوم، ومع الرمال المتحركة للتحولات الإقليمية، يطرق بابنا سؤال بليغ في واقعيته: هل نملك الشجاعة لتحويل هذه العلاقة من مجرد “إدارة أزمات” واحتواء ندوب، إلى أفق يتسع لـ “بناء شراكة” حقيقية؟
الإجابة لا تقيم في ردهات السياسة الفندقية، بل في عمق الوعي الثقافي والوجداني الذي ينظر به كل طرف إلى الآخر.
لقد درج الخطاب العربي، في محطات كثيرة، على مقاربة المسألة الكردية من ثقب الباب الأمني أو الحسابات السياسية البحتة، متغافلاً عن ثرائها الثقافي والاجتماعي. وفي المقابل، غلب الحذر والترقب على النظرة الكردية للمحيط العربي، بفعل تراكمات التاريخ وتباين التجارب المريرة.
بيد أن ما تبدّل اليوم هو أن تلك الرؤى المجزأة لم تعد صالحة للبقاء. ففي ظل الانهيارات الإقليمية وتآكل التحالفات الكلاسيكية، باتت الحاجة ماسة إلى صياغة “أبجديات تعاون محلية” نابعة من قلب المنطقة، نماذج ترتكز على جدوى المصالح المشتركة والفهم الواعي لحجم التحديات التي تعصف بالجميع دون استثناء.
هنا تحديداً، يمكن للعلاقة العربية – الكردية أن تميط اللثام عن وجهها الآخر: كـفرصة استراتيجية وثروة للمستقبل لا كعبء أو ملف شائك. ففي جغرافيا مثل شمال وشرق سوريا، حيث يتعانق الوجود العربي والكردي في تفاصيل الحياة اليومية، يصبح الاستقرار معادلة مستحيلة إن حاول أي طرف صياغتها بمفرده. إن الأمان هناك هو ثمرة توازن دقيق، يقوم على منطق الشراكة والاحتضان، لا على العزل والإقصاء.
من هذا المنطلق، تتجلى فكرة (التكامل) بمعناها الإنساني والحضاري الواسع كمدخل نبيل لإعادة صياغة الحكاية. لا نتحدث هنا عن تكامل قسري يُذيب الملامح، ولا عن اندماج يمحو الخصوصيات والهويات، بل عن تكامل يعانق الاختلاف، يعترف بالآخر، ويؤّسس لكيانات ومؤسسات قادرة على استيعاب هذا التنوع البديع وتحويله إلى مصدر قوة.
وفي هذا المدار التنويري، تبرز القيمة العليا لـالمبادرات الفكرية والإعلامية التي تأخذ على عاتقها ترميم الوعي العام، والجسر بين الضفتين لنقل العلاقة من مربع التوتر المشحون إلى واحة الحوار المثمر.
ولعل حملة «تكامل… عرب وكرد، مصير مشترك»، التي أطلقتها شبكة الاستشراف الدولية للدراسات والإعلام والاستشارات، تقف كشاهد حي على هذا المسعى. إذ حاولت منذ خطوتها الأولى إعادة تعريف هذه الشراكة، ليس كشعار رنان يُستهلك في المناسبات، بل كـمشروع حيوي قابل للنمو والحياة.
وقد تجسد هذا النفس الجديد في المضامين التي تبثها منصات الحملة؛ حيث لم تغرق في التبشير العاطفي أو الإنساني الفضفاض، بل غاصت في تقديم قراءات استراتيجية معمقة تضع هذا التآخي كـرافعة أساسية لإنقاذ السلم الأهلي واستقرار المنطقة برمتها.
إن أجمل ما في هذا الطرح هو توازنه؛ فهو لا يحلق بأجنحة مثالية مفرطة تعمى عن الواقع، بل ينطلق من واقعية شجاعة تدرك حجم العثرات وحقول الألغام التاريخية، لكنها تؤمن في الوقت ذاته بأن نقيض التعاون هو الغرق الجماعي في مستنقع الهشاشة الضارية.
في شرقنا المضطرب، لا تملك المجتمعات ترف إشاحة وجوهها عن فرص النجاة وبناء توازنات جديدة. ومن هنا، يمكننا اليقين بأن مستقبل العلاقة العربية – الكردية لن تكتب كلمته الأخيرة في دهاليز وصالونات السياسة المغلقة، بل سيكتبه وعي الناس وقدرة هذه المجتمعات على إعادة اكتشاف جارتها في التاريخ والمصير، وبناء فضاءات رحبة تتجاوز عتبات الماضي دون تنكر له.
هذا هو التحدي الحقيقي الذي ينتظرنا جميعاً.. وهو ذاته، بوابتنا الكبرى نحو الغد.



