رأىسلايدر

إعادة التموضع الفرنسي في الشرق الأوسط عبر البوابة المصرية

Listen to this article

د. محمود ريحان يكتب

في السياسة لا توجد زيارات بريئة، ولا تتحرك الطائرات الرئاسية من أجل الصور التذكارية وحدها. وحين تهبط طائرة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في القاهرة، في هذا التوقيت تحديدًا، فاعلم أن ما يجري أكبر كثيرًا من افتتاح جامعة، وأعمق من بيانات المجاملات الدبلوماسية المعتادة. فالعالم كله تقريبًا يُعاد تشكيله من جديد، والشرق الأوسط يقف على صفيح مشتعل، وأوروبا تشعر لأول مرة منذ سنوات طويلة أن النار التي اشتعلت بعيدًا عنها بدأت تقترب من أبوابها مباشرة.

من هنا يمكن فهم الزيارة لا باعتبارها حدثًا بروتوكوليًا، بل باعتبارها رسالة استراتيجية ثقيلة المعنى، تحاول فرنسا من خلالها أن تعيد رسم موقعها في المنطقة عبر البوابة المصرية. باريس تعرف جيدًا أنها لم تعد تملك الشرق الأوسط الذي عرفته قديمًا؛ فالنفوذ الفرنسي تراجع بصورة قاسية في أفريقيا، والوجود الفرنسي الذي ظل لعقود أحد أعمدة السياسة الدولية في الساحل الأفريقي تعرض لضربات متتالية في مالي والنيجر وبوركينا فاسو. القواعد العسكرية الفرنسية انسحبت، والحكومات التي كانت تدور في الفلك الفرنسي بدأت تبحث عن حلفاء جدد، بينما تمددت روسيا والصين وتركيا في مساحات كانت باريس تعتبرها تاريخيًا جزءًا من نفوذها التقليدي.

وسط هذا المشهد، بدأت فرنسا تبحث عن نقطة ارتكاز جديدة تعيد لها بعض الثقل الذي فقدته، ولم تجد أمامها سوى مصر. القاهرة بالنسبة لفرنسا ليست مجرد دولة عربية كبيرة، بل مركز توازن كامل في المنطقة؛ دولة تتحكم في أهم ممر ملاحي على وجه الأرض عبر قناة السويس، وتملك حدودًا تمس غزة وليبيا والسودان والبحر الأحمر وشرق المتوسط، وتحتفظ بعلاقات متوازنة مع قوى متناقضة في وقت واحد. والأهم أنها الدولة الوحيدة تقريبًا القادرة على الحديث مع الجميع دون أن تفقد موقعها.

لهذا لم يكن غريبًا أن تتعامل الصحف الفرنسية مع الزيارة باعتبارها محاولة لإحياء “السياسة العربية الفرنسية” من جديد، وهي السياسة التي تراجعت بشدة خلال العقدين الأخيرين حتى بدا أحياناً أن باريس فقدت قدرتها على التأثير الحقيقي في الشرق الأوسط. لكن الملف الأكثر حضورًا خلف الكواليس كان “غزة”؛ فالحرب هناك لم تعد مجرد أزمة فلسطينية إسرائيلية، بل تحولت إلى اختبار شامل لتوازنات المنطقة كلها. أوروبا تخشى انفجارًا إنسانيًا هائلًا، وتخشى أكثر أن تتحول الفوضى إلى موجات هجرة جديدة تضرب شواطئ المتوسط، بينما تدرك فرنسا أن أي ترتيبات تخص غزة مستقبلًا لا يمكن أن تمر دون مصر. المعابر في يد القاهرة، والمساعدات تمر عبر القاهرة، وحتى أي تصور لإعادة الإعمار أو التهدئة أو الضمانات الأمنية لا يمكن أن يُبنى من دون دور مصري مركزي. لهذا بدا ماكرون حريصًا على الاقتراب من الموقف المصري، ليس فقط لأن القاهرة لاعب أساسي، بل لأن فرنسا نفسها تحاول أن تستعيد دور الوسيط الذي فقدته تدريجيًا لصالح الولايات المتحدة وقوى إقليمية أخرى.

وفي الخلفية كان هناك هاجس أوروبي أكبر، وهو الخوف من سقوط المنطقة كلها في دوامة انفجار واسع. أوروبا تنظر إلى مصر باعتبارها “دولة منع الانهيار”؛ ربما يبدو التعبير قاسيًا، لكنه الأقرب لفهم العقل الأوروبي حاليًا. فاستقرار مصر بالنسبة للعواصم الأوروبية لم يعد شأنًا شرق أوسطيًا فقط، بل تحول إلى قضية أمن قومي أوروبي مباشر. أي اضطراب اقتصادي كبير في القاهرة قد يعني موجات هجرة ضخمة، وأي تهديد للملاحة في قناة السويس يعني ارتباكًا اقتصاديًا عالميًا، وأي فوضى ممتدة من غزة إلى البحر الأحمر ستصيب الاقتصاد الأوروبي في مقتل.

من هنا نفهم لماذا تتحدث باريس كثيرًا عن الاقتصاد والطاقة والاستثمارات والبنية التحتية؛ فهذه ليست مجرد مشروعات تنموية عادية، بل أدوات لحماية الاستقرار الإقليمي كما تراه أوروبا. ثم تأتي “الطاقة”، ذلك الملف الذي غير كل الحسابات؛ فبعد الحرب الأوكرانية اكتشفت أوروبا أنها رهنت نفسها طويلًا للغاز الروسي، وأن عليها البحث بسرعة عن بدائل جديدة، وهنا برز شرق المتوسط كخزان استراتيجي مهم، وبرزت مصر باعتبارها بوابة رئيسية لتسييل الغاز وتصديره نحو أوروبا. لذلك لم يعد التعاون مع القاهرة رفاهية سياسية بالنسبة لباريس، بل أصبح جزءًا من أمن الطاقة الأوروبي نفسه.

لكن السياسة لا تتحرك بدافع الاقتصاد فقط؛ هناك أيضًا صراع النفوذ الكبير في المتوسط. فرنسا ترى التمدد التركي في ليبيا وشرق المتوسط وأفريقيا بعين القلق، وتحاول خلق توازن إقليمي يمنع أنقرة من التحول إلى اللاعب الأكثر تأثيرًا في المنطقة. ومن هنا جاء التقارب العسكري والسياسي الكبير بين القاهرة وباريس خلال السنوات الأخيرة، سواء عبر صفقات السلاح، أو التنسيق الأمني، أو المواقف السياسية المتقاربة في ملفات عديدة.

وفي قلب كل ذلك يقف ماكرون نفسه؛ الرجل الذي يواجه أزمات داخلية متراكمة، وتراجعًا في شعبيته، وانتقادات واسعة بسبب تراجع النفوذ الفرنسي عالميًا، يحتاج إلى صورة القائد القادر على الحركة خارج الحدود الأوروبية الضيقة. يحتاج إلى إظهار فرنسا باعتبارها قوة ما زالت تملك القدرة على التأثير، لا مجرد دولة أوروبية منشغلة بأزماتها الداخلية. ولهذا جاءت القاهرة ليس فقط كمحطة سياسية، بل كمنصة لإعادة تقديم فرنسا للعالم.

حتى اختيار الإسكندرية وافتتاح “جامعة سنجور” لم يكن تفصيلًا ثقافيًا بسيطًا كما قد يبدو للبعض؛ ففرنسا تدرك أن نفوذها الحقيقي لا يُبنى بالدبابات وحدها، بل باللغة والثقافة والتعليم والفرنكوفونية. إنها محاولة للحفاظ على الامتداد الثقافي الفرنسي في أفريقيا عبر بوابة مصر، بعد أن تعرض النفوذ السياسي والعسكري الفرنسي لهزات عنيفة في القارة السمراء.

وهكذا تبدو الصورة كاملة إذا جمعنا خيوطها معًا: فرنسا لا تزور مصر لأنها تريد فقط تعزيز العلاقات الثنائية، بل لأنها تدرك أن الشرق الأوسط يُعاد تشكيله الآن، وأن من يريد مكانًا على “الطاولة الجديدة” لا بد أن يمر عبر القاهرة. تدرك أن غزة، والطاقة، والهجرة، والبحر الأحمر، وشرق المتوسط، وأفريقيا، كلها ملفات تتقاطع في نقطة واحدة اسمها مصر. لهذا لم تكن زيارة ماكرون مجرد زيارة رئيس أوروبي إلى دولة صديقة، بل كانت اعترافًا سياسيًا صريحًا بأن القاهرة عادت لتصبح أحد أهم مفاتيح التوازن في المنطقة كلها. وفي عالم يمتلئ بالفوضى، تدرك باريس جيدًا أن الدول التي تملك مفاتيح الاستقرار، تملك أيضًا مفاتيح النفوذ.

اترك تعليقاً

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى