رأىسلايدر

صفقة القرن أم استراحة ما قبل الحرب الكبرى؟

Listen to this article

بقلم: د. محمود ريحان مرجان

في السياسة الدولية لا توجد صداقات دائمة، توجد فقط مصالح تخشى السقوط. ولهذا لم يكن مشهداً عادياً أن يعود دونالد ترامب إلى الصين محاطاً برجال المال والتكنولوجيا والصناعة، بينما تستقبله بكين بابتسامات محسوبة تخفي خلفها واحدة من أعنف معارك القرن الحادي والعشرين. لم يكن الرجل ذاهباً إلى نزهة دبلوماسية، ولم تكن الصين تفتح أبوابها بدافع الود أو الرغبة في التقارب الإنساني، بل لأن العالم كله وصل إلى لحظة إدراك مرعبة: العملاقان اللذان يتصارعان على قيادة الكوكب اكتشفا أن استمرار الحرب المفتوحة قد يحرق الجميع، بمن فيهم المنتصر نفسه.

المشهد من الخارج يبدو لقاءً اقتصادياً ضخماً، لكن ما يجري تحت الطاولة أخطر بكثير؛ إنها مفاوضات على شكل العالم القادم، وعلى من يملك مفاتيح التكنولوجيا، والطاقة، والذكاء الاصطناعي، وسلاسل الإمداد، وحتى الحق في رسم خرائط النفوذ الدولي لعقود مقبلة. ترامب لم يذهب إلى بكين لأنه غيّر قناعاته تجاه الصين، والصين لم تستقبله لأنها نسيت سنوات الرسوم الجمركية والعقوبات والحصار التكنولوجي، بل لأن الطرفين وصلا إلى قناعة واحدة: لا أحد يستطيع إسقاط الآخر بضربة قاضية.

الولايات المتحدة التي لطالما تحدثت باعتبارها القوة الاقتصادية الأولى، بدأت تكتشف أن مصانعها وجيشها وشركاتها العملاقة ليست مستقلة بالكامل كما كانت تتصور. الحرب الأوكرانية، وأزمات الطاقة، واضطراب الأسواق، والانفجار الهائل في سباق الذكاء الاصطناعي، كلها كشفت حقيقة مزعجة لواشنطن: الصين لا تسيطر فقط على خطوط الإنتاج الرخيصة، بل تمسك أيضاً بخناجر ناعمة مزروعة في قلب الصناعة الغربية نفسها.

وكانت المعادن النادرة هي الصدمة الكبرى؛ فهذه المواد التي تبدو للوهلة الأولى مجرد تفاصيل تقنية، تحولت فجأة إلى شريان حياة للصناعات الأمريكية، من الرقائق الإلكترونية إلى السيارات الكهربائية، ومن أنظمة الذكاء الاصطناعي إلى الصناعات العسكرية والصواريخ والطائرات الحديثة. وحين بدأت بكين في تضييق الخناق على صادرات تلك المعادن، اكتشفت واشنطن أن المعركة لم تعد مجرد منافسة تجارية، بل أصبحت اختباراً لقدرة أمريكا نفسها على الحفاظ على تفوقها التكنولوجي والعسكري.

هنا تحديداً نفهم لماذا اصطحب ترامب معه رجال الأعمال وكبار المستثمرين ورموز التكنولوجيا؛ فالرجل يريد صفقة، لكنها ليست أي صفقة. هو يريد أن يعود إلى الداخل الأمريكي باعتباره القائد الذي أجبر الصين على فتح خزائنها وأسواقها من جديد، وأن يعلن أمام الناخب الأمريكي أنه الرجل القادر على حماية الاقتصاد الأمريكي دون دفعه إلى الانهيار الكامل. لذلك تدور المفاوضات حول ملفات تبدو اقتصادية في ظاهرها، لكنها سياسية واستراتيجية في جوهرها: طائرات بوينغ، الزراعة الأمريكية، الطاقة، سلاسل التوريد، المعادن النادرة، والاستثمارات التكنولوجية.

لكن خلف كل ذلك يوجد الملف الأخطر: ملف الرقائق والذكاء الاصطناعي، وهنا تدور الحرب الحقيقية. فالقرن القادم لن تحكمه حاملات الطائرات وحدها، بل الشرائح الإلكترونية التي تشغل العقول الصناعية العملاقة، والأنظمة القادرة على التحكم في البيانات، والاقتصاد، والجيوش، والأسواق. أمريكا تدرك أن تفوقها العالمي بات مرتبطاً بالحفاظ على احتكار التكنولوجيا المتقدمة، ولهذا فرضت قيوداً خانقة على تصدير الرقائق المتطورة والتقنيات الحساسة إلى الصين. وفي المقابل، ردت بكين بالطريقة التي تتقنها: الضغط الهادئ طويل النفس، عبر التحكم في المواد الخام وسلاسل التصنيع والأسواق الضخمة التي لا تستطيع الشركات الأمريكية تجاهلها. ولذلك فإن اللقاء بين ترامب والصين ليس لقاء تجارة بقدر ما هو تفاوض على حدود الحرب نفسها؛ فالطرفان يحاولان رسم خطوط تمنع الانفجار الكامل، لأن كلاً منهما يعرف أن الصدام الشامل قد يفتح أبواب كارثة اقتصادية عالمية لا يمكن السيطرة عليها.

أما الصين، فهي تدخل هذه المفاوضات بعقلية مختلفة تماماً. بكين لا تتحرك بمنطق المكسب الانتخابي السريع كما يفعل ترامب، بل بعقلية حضارية طويلة المدى ترى أن الزمن يعمل لصالحها إذا أحسنت إدارة الصراع. الصينيون يعرفون أنهم لم يصلوا بعد إلى لحظة إزاحة أمريكا عن قمة النظام العالمي، لكنهم يدركون أيضاً أن واشنطن لم تعد تملك القدرة القديمة نفسها على فرض إرادتها على الجميع دون تكلفة هائلة. لذلك تسعى بكين إلى هدف واضح: كسر الحصار التكنولوجي الأمريكي أو على الأقل تخفيفه. الصين تعلم أن مستقبلها الاقتصادي والعسكري مرهون بالحصول على التكنولوجيا المتقدمة، وأشباه الموصلات، والقدرات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، ولهذا تعتبر القيود الأمريكية تهديداً مباشراً لمشروعها القومي كله. ومن هنا يصبح أي تفاهم مع ترامب فرصة لالتقاط الأنفاس وإعادة ترتيب الأوراق.

لكن الملف الذي يظل جاثماً كقنبلة فوق الطاولة هو تايوان؛ فهذه الجزيرة الصغيرة ليست مجرد قطعة أرض متنازع عليها، بل عقدة الجغرافيا السياسية الأخطر في العالم. بالنسبة للصين، تايوان تمثل السيادة الوطنية والكرامة التاريخية ووحدة الدولة، وبالنسبة لأمريكا، تمثل نقطة ارتكاز استراتيجية في قلب المحيط الهادئ، إضافة إلى كونها مركزاً حيوياً لصناعة الرقائق الإلكترونية العالمية. ولهذا فإن أي خطأ في إدارة هذا الملف قد يشعل مواجهة تتجاوز حدود آسيا إلى العالم كله.

والمثير أن الحلفاء أنفسهم ينظرون إلى هذا التقارب الأمريكي الصيني بقلق مكتوم. أوروبا واليابان وكوريا الجنوبية لا تريد حرباً مع الصين، لكنها في الوقت نفسه تخشى تنامي النفوذ الصيني. الأوروبيون تحديداً يعيشون معضلة خانقة؛ فهم يعتمدون اقتصادياً على السوق الصينية، لكنهم أمنياً مرتبطون بالمظلة الأمريكية، ولهذا يخشون أن يعقد ترامب صفقة ثنائية كبرى مع بكين تتركهم وحدهم في مواجهة التبعات الاقتصادية والسياسية.

أما روسيا وإيران وكوريا الشمالية، فتراقب المشهد بعين أخرى. هذه القوى تدرك أن أي تهدئة حقيقية بين واشنطن وبكين قد تعيد رسم توازنات كثيرة في العالم، وربما تفرض ضغوطاً جديدة على بعض الحلفاء التقليديين للصين. لكن بكين بدورها تعرف أن تحالفاتها الحالية تمثل جزءاً مهماً من شبكة التوازن التي تستخدمها في مواجهة النفوذ الأمريكي، ولذلك لن تفرط فيها بسهولة.

ورغم كل الصور الدبلوماسية والكلمات الناعمة، فإن الحقيقة تبقى أكثر خشونة بكثير. لا يوجد سلام حقيقي بين واشنطن وبكين، ولا توجد ثقة متبادلة، ولا حتى قناعة بإمكانية التعايش الكامل. ما يحدث الآن يشبه هدنة ثقيلة بين قوتين تعرفان أن الحرب المباشرة مكلفة أكثر من اللازم، لكنهما في الوقت نفسه تواصلان الاستعداد للمواجهة القادمة بكل الوسائل الممكنة. إن العالم لا يشاهد مجرد زيارة سياسية، بل يشاهد لحظة إعادة تموضع تاريخية بين قوتين تتصارعان على قيادة القرن الحادي والعشرين.

ترامب ذهب إلى الصين لأنه اكتشف أن أمريكا لا تستطيع كسر الصين بسهولة كما كان يُعتقد، والصين جلست مع ترامب لأنها تدرك أنها لم تصبح بعد قادرة على إزاحة أمريكا من عرش العالم بالكامل. ولهذا فإن المشهد كله يمكن تلخيصه في حقيقة واحدة مرعبة: العالم لا يعيش مرحلة سلام بين العملاقين، بل يعيش فترة استراحة قصيرة بين جولتين من الصراع على مستقبل البشرية نفسها.

اترك تعليقاً

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى