زَفِيرُ البَرْزَخ.. وَنَحِيبُ الرُّوحِ فِي هَزِيعِ المَنَام

شعر: أشرف أبو عريف
أُمِّي… جِئْتُكِ فِي عَتَمَةِ الرُّؤْيَا، وَالآلَامُ تَعْصِرُنِي
وَشَوْقِي لِلْحَبِيبِ الغَائِبِ الدَّانِي
إِنْ نَامَ جَسَدِي فَرُوحٌ فِي غِيَابِكِ سَاهِرَةٌ
تَبْكِي وَتَنْزِفُ مِنْ وَجْدِي وَأَشْجَانِي
أُمِّي… رُسِمَتْ مَحَاسِنُهُ فِي خَاطِرِي صِغَرًا
مُنْذُ نُعُومَةِ أَظْفَارِي وِجْدَانِي بِهَا يَعْمُرْ
كَبِرَتْ مَعَ الأَيَّامِ، تَرْعَرَعَتْ شَغَفًا
فَكَيْفَ أُخْفِي هَوًى فِي القَلْبِ يَتَجَذَّرْ؟
أُمِّي… حَسِبْتُ بَنَاتِ العَمِّ وَالخَالِ خَوَاتٍ لِي
فَأَدَارَ الأَهْلُ ظُهُورَهُمْ وَنَسُوا وِدَادِي
وَالخِلَّانُ مِنْ حَسَدٍ لِجَمَالِ مَنْ أَهْوَى
زَرَعُوا الشَّوْكَ زَقُّومًا عَلَى طُرُقِ وِصَادِي
أُمِّي… فَمَا إِنْ أَنْعَمَ القَدَرُ عَلَيَّ بِرُؤْيَاهُ
حَتَّى اسْتَطَالَ جِدَارُ المُلْكِيَّةِ حَائِطَ صَدِّ
أَفَأَكُونُ أَنَانِيًّا.. أَهْدِمُ السُّورَ بِنَفِيرِ صَهْدِي؟
أَمْ أَكُونُ مَلَاكًا صَامِتًا.. أَتَصَالَحُ مَعَ الأَسَى
وَأَبْقَى أَحْتَرِقُ فِي يَقَظَتِي وَفِي مَهْدِي؟
أُمِّي… أَوْقَدُوا الشَّوْقَ فِي صَدْرِي لَهِيبًا
وَطَارَ النَّوْمُ مِنْ عَيْنِي وَفَارَقَنِي السُّهَادُ
يَا وِسَادَتِي وَبَلْسَمَ آهَاتِي.. دَبِّرِينِي
فَمَالِي غَيْرُ صَدْرِكِ يَحْتَوِينِي
فَفِي حُضْنِكِ المَلَائِكِيِّ يَنْتَهِي السُّهَادُ.
وَلَدِي… تَرَانِي أَمْسَحُ بِيَدِي النُّورَانِيَّةِ دُمُوعَكَ عَبْرَ طَيْفِ المَنَامِ؟ تَرَانِي أَضُمُّ رَأْسَكَ الآنَ إِلَى صَدْرِي الرَّاحِلِ وَأَقُولُ لَكَ:
كَفْكِفْ دُمُوعَكَ، فَإِنَّ فِي حُضْنِي
أَمَانًا يَقْتَلِعُ الأَحْزَانَا
لَا تَبْتَئِسْ مِنْ غَدْرِ خِلٍّ أَوْ قَرِيبْ
فَالنَّاسُ لَا تَرْعَى سِوَى مَنْ كَانَا
-
وَلَدِي… كُنْ مَلَاكًا وَلَا تَكُنْ هَدَّامًا؛ الحُبُّ الطَّاهِرُ هُوَ مَا يَبْنِي النَّفْسَ لَا مَا يَهْدِمُ سَعَادَةَ الآخَرِينَ. جِدَارُ المُلْكِيَّةِ قَدْ يَحْجِبُ الجَسَدَ، لَكِنَّهُ لَا يَمْلِكُ سِجْنَ الأَرْوَاحِ الَّتِي تَلْتَقِي حُرَّةً كَمَا نَلْتَقِي الآنَ.
-
وَلَدِي… احْتَرِقْ شَرَفًا لَا أَنَانِيَّةً؛ صَهْدُ الأَلَمِ الَّذِي تَشْعُرُ بِهِ هُوَ مِعْدَنُكَ الأَصِيلُ. الصَّبْرُ عَلَى الحَنِينِ كَرَامَةٌ، وَتَمَنِّي الخَيْرِ لِلْمَحْبُوبِ حَتَّى فِي بُعْدِهِ هُوَ أَعْلَى مَرَاتِبِ العِشْقِ الَّتِي تُفَاخِرُ بِهَا السَّمَاءَ.
-
وَلَدِي… اجْعَلْ مِنَ الشَّوْكِ طَرِيقًا لِلصُّمُودِ؛ مَنْ زَرَعُوا الشَّوْكَ فِي طَرِيقِكَ أَرَادُوا كَسْرَ بَأْسِكَ، فَالْتَفِتْ عَنْهُمْ، وَاجْعَلْ طُهْرَ حُبِّكَ سِلَاحًا سَامِياً يُخْجِلُ حَسَدَهُمْ الدَّنِيءَ.
-
وَلَدِي… نَمْ قَرِيرَ العَيْنِ؛ اِتْرُكِ الرُّوحَ سَاهِرَةً تُنَاجِي طَيْفَهُ بِالسَّلَامِ، وَأَرِحْ جَسَدَكَ الغَضَّ فِي دُنْيَاكَ، فَإِنَّ لِي قَلْباً هُنَا يَحْرُسُ نَوْمَكَ بِالدُّعَاءِ الخَالِدِ، وَسَآتِيكَ كُلَّمَا ضَاقَتْ بِكَ الظُّنُونُ لأَكُونَ لَكَ الوِسَادَةَ وَالمَلَاذَ.



