
🎙️ حوار: هشام صلاح..
في عالمٍ تحكمه المراسم، وتضبط إيقاعه البروتوكولات الصارمة، تأتي كالفراشة التي تبث الدفء في جمود القواعد. هي ليست مجرد زوجة دبلوماسي عَبَرت العواصم وقرأت الوجوه, بل هي كاتبة استطاعت أن تحول “الإتيكيت” من قوالب جامدة وأدوات مائدة مصفوفة، إلى فلسفة حياة، وتراتيل يومية قوامها الأخلاق، والذوق، واحترام إنسانية الآخر.
في كتابها الأنيق «عزومة سفير»، تأخذنا الكاتبة شيرين الألفي في رحلة خلف الستار الدبلوماسي؛ حيث تلتقي الأصالة المصرية بنسائم الثقافات العالمية. تعتز بملامحها الأولى وباسم أبيها الذي ورثت عنه نبل المبادئ، وتتحدث عن الغربة التي صهرت وعيها، وعن الأناقة التي تراها في البساطة لا في الصخب.
في هذا الحوار الخاص والممتد، نبحر معها لنكتشف أن الإتيكيت في جوهره ليس تميزًا طبقيًا، بل هو “أدب السلوك” الذي يبدأ من دفء البيوت لينير عتمة العالم.. فإلى تفاصيل الحوار:
■ بالاطلاع على كتاب «عزومة سفير»، لمسنا في السطور اعتزازاً جارفاً باسم عائلتكِ وأصلكِ، على عكس السائد في بعض الأوساط حيث تذوب كنية الزوجة في اسم زوجها.. فما سر هذا التشبث بالجذور؟
-
شيرين الألفي: هو انتماءٌ للنبض الأول، ووفاءٌ ليدٍ رعت وغرست. أنا أعتز اعتزازاً عظيماً بوالدي، وبتلك التربية التي شكلت وجداني، وبأسرتي التي منحتني ملامحي الإنسانية. لذلك، كان يسكنني إصرارٌ خفي أن يخرج هذا المولود الأدبي الأول حاملاً اسمي الذي كبُرت به؛ شعرتُ أنه الأثر النقي الذي صنعته بروحى، وأردته أن يظل ذكرى نابضة تربطني بأبي الذي علمني كيف أخطو في الحياة. ومع هذا، لم أغفل رفيق الدرب؛ فزوجي يزين صدر مقدمة الكتاب، فله فضلٌ لا ينكره وجدان في دفع هذا العمل إلى النور، ولولاه لربما ظلت الفكرة حائرة في السطور، لكنني ظللتُ مخلصةً لاسمي الذي يمثل هويتي وجذوري.
■ هل يمكننا القول إن خلف الكاتبة شيرين الألفي زوجاً اكتشف مكامن موهبتها؟
-
شيرين الألفي: لا أسميه اكتشافاً للموهبة بقدر ما كان “شراكة روحية وزمنية” في صياغة الحكاية. لقد كان زوجي الذاكرة الحية التي ترمم ما سقط مني من تفاصيل؛ يذكرني بأسماء العواصم، وظلال الأماكن، والوجوه العابرة التي قد يطويها النسيان أثناء تدفق الكتابة. كان شريكاً في استحضار التفاصيل.
■ كيف نبتت هذه الفكرة، وكيف تحول الخاطر العابر إلى كتاب يصافح القراء؟
-
شيرين الألفي: الفضل في غرس هذه البذرة يعود لسعادة السفير هشام الشاذلي؛ هو صاحب الفكرة ومحركها الأول. سألني يوماً بسؤال العارف: “ماذا بعد؟”، فأخبرته بنيتي تقديم دورات في فنون الإتيكيت. فباغتني باقتراح ملهم: “ولماذا لا تسكبين هذا العلم في كتاب؟”. تهيبتُ الفكرة واستغربتها أول الأمر، لكنه لم يتركنى لترددي؛ طلب مني وضع خطة أولية وعرضها عليه، ثم قرأ الفصل الأول بشغف ودفعني للأمام. لقد كان بحق الداعم الإيجابي والمحرض الجميل الذي جعل الحلم حقيقة ملموسة.
■ حياة الدبلوماسية تبدو براقة من الخارج، لكن هل تفرض ظلالها نوعاً من القيود على حرية الذات?
-
شيرين الألفي: بالتأكيد، فالمخمل له ثمن. في هذا العالم، تصبح الكلمة ميزاناً، فلا تملك رفاهية الخوض العفوي في دهاليز السياسة أو شؤون العقائد. أنت هناك لا تمثل نفسك، بل تحمل وطنك بكافة أطيافه وألوانه على كتفيك. لا يحق للدبلوماسي أو عائلته الانحياز لحزب أو تيار أو فصيل؛ إننا نغدو هناك ظلاً للجميع وممثلاً للكل دون تمييز.
■ عشتُم أحداث يناير وما تلاها من مخاض سياسي صعب.. كيف كانت الرؤية من نافذة الدبلوماسية؟
-
شيرين الألفي: كانت أياماً مشحونة بالقلق والترقب. أذكر مشاعري الجياشة في الثلاثين من يونيو، حين نزلتُ برفقة بناتي إلى الميادين نلتحف بالفرح والأمل، بينما فرض الواجب الصارم على زوجي البقاء بعيداً بحكم طبيعة عمله الرسمية. كنا نعيش تحت وطأة شعور دائم بأننا تحت المجهر؛ اتصالاتنا، تحركاتنا، حتى حضورنا في المناسبات الاجتماعية كان محفوفاً بحذر شديد. الصمت والدقة هما ضريبة الحفاظ على توازن الوطن في عيون الآخرين.
■ بين الأمس واليوم، هل لمستِ تغيراً في ملامح الشخصية المصرية والمجتمع عبر هذه السنوات؟
-
شيرين الألفي: المجتمع المصري يشبه النهر؛ قد تتلاطم أمواجه بفعل الظروف وتغير العصور، وتترك الأحداث ندوباً أو آثاراً على السطح، لكن جوهره يظل متماسكاً. لقد بقي المصريون، في أعماقهم، حراساً لقيمهم الأصيلة وعاداتهم الدافئة التي لا تغيرها عاديات الزمن.
■ هل كانت الغربة والسفر المتواصل مجرد محطات في العمر، أم أنها أعادت تشكيل هويتكِ الإنسانية؟
-
شيرين الألفي: السفر كان الصائغ الحقيقي لروحي. تزوجتُ في غرة العمر وأنا ابنة واحد وعشرين عاماً، كنت غضة وتجاربي وليدة، وفي قطارات الاغتراب تشكل الجزء الأكبر من وعيي وشخصيتي. السفر نزع عني الأفكار الضيقة، وعلمني كيف أقرأ البشر، وكيف أجد المفاتيح السحرية للتعامل مع مختلف الثقافات والخلفيات الإنسانية على اختلاف مشاربها.
■ هناك انطباع شائع يربط الإتيكيت بالطبقات المخملية وأرستقراطية المظهر.. ما تعقيبك؟
-
شيرين الألفي: هذا تصوير قاصر وجائر. الإتيكيت ليس رداءً طبقياً ولا صكاً للرفاهية؛ الإتيكيت في جوهره هو “الأدب الجم”، هو “الذوق الرفيع”، هو “احترام إنسانية الآخر”. عندما نمارس الإتيكيت، فنحن لا نستعرض، بل نمارس نبل التعامل، ونقدس المواعيد، وننتقي عذب الكلام. إنه باختصار: نبل السلوك.
■ إذن، هو مفهوم يتجاوز بروتوكولات المائدة الضيقة؟
-
شيرين الألفي: تماماً، وتلك هي الخطيئة الشائعة في الفهم. لقد سجن الناس هذا الفن الراقي في حدود “الشوكة والسكين” وطريقة تناول الطعام، بينما هو في حقيقته إيقاع حياة كامل، ودستور غير مكتوب لتقدير الإنسان لأخيه الإنسان.
■ هل تعتقدين أن الآلة الإعلامية والفنية هي من كبّلت الإتيكيت في هذه الصورة السطحية؟
-
شيرين الألفي: نعم، فالدراما والبرامج كثيراً ما قدمت الإتيكيت في قالب تهكمي ساخر، أو كنوع من التقعر الاجتماعي والاستعراض الأجوف، مما خلّف جفاءً بينه وبين المواطن البسيط. ومن هنا، نبعت رسالتي عبر المنصات الرقمية (فيسبوك، إنستجرام، وتيك توك) لأكسر هذه الصورة النمطية، وأعيد وصل ما انقطع، مؤكدة أن الإتيكيت لغة القلوب البسيطة قبل القصور.
■ هل تؤمنين بلغة الجسد، وكيف توظفينها في قراءاتك؟
-
شيرين الألفي: أؤمن بها يقيناً؛ فخطوات المرء، وجلسته، وإيماءات يديه هي امتداد لحديث روحه ومرآة لنفسه. لكنني لم أدرس هذا العلم في أروقة الأكاديميات، وأراه أقرب إلى تخوم علم النفس، لذا أفضل ألا أتحدث فيه برداء المتخصصة، بل بروح المتأملة.
■ هل يقع المصريون في “أخطاء شائعة” تخرق قواعد الإتيكيت على المائدة؟
-
شيرين الألفي: في المحافل الرسمية، نعم، تحدث بعض الهنات التي تجافي البروتوكولات الدولية، لكنني أترفع عن تسميتها “أخطاء”. فداخل البيوت، لكل إنسان حريته المطلقة؛ فالبيت ملاذ الدفء والعفوية، ولا يمكنني إجبار أحد على تناول طعامه بطريقة معينة. أما حين نكون في حضرة الرسميات الدولية، فهناك لغة عالمية مشتركة وقواعد ينبغي الالتزام بها احتراماً للمقام.
■ هل تستطيع الأسرة المصرية اليوم أن تزرع هذه القيم في نفوس وعقول أطفالها؟
-
شيرين الألفي: بكل تأكيد، فأسرة هي المحضن الأول والتربة التي تنبت فيها الأخلاق. الطفل لا يتعلم الإتيكيت من الكتب، بل يمتصه من سلوك والديه؛ يتعلم احترام الشيب، وعفة اللسان، وغض البصر، وحفظ خصوصيات الآخرين. كل هذه الفضائل هي الإتيكيت الحقيقي الذي يبدأ من عتبة المنزل قبل أن تتبناه المؤسسات.
■ في كتابكِ، لمحات عن الزواج المبكر والأمومة تحت ظلال السفر المتواصل.. كيف وازنتِ بين دفء الأمومة وصخب الحياة الدبلوماسية؟
-
شيرين الألفي: كانت رعاية الله هي خيط الأمان. في البدايات، كانت الحقائب خفيفة والمسؤوليات غضة. لكن التحدي الحقيقي كان يطل برأسه حين تفرض علينا الواجبات الرسمية ترك الأطفال وحيدين. في بعض المحطات، كجنوب أفريقيا مثلاً، كان الهاجس الأمني يربك طمأنينتنا، ويتركنا في حالة وجل دائم على الصغار.
■ هل ترك هذا القلق الأمني المستمر غصّة أو أثراً في نفوسكم؟
-
شيرين الألفي: نعم، وبشدة. إن العيش في بيئات مشحونة بالاضطراب الأمني يستهلك الكثير من السلام النفسي. كان الخوف على الأطفال ظلاً لا يفارقنا، ولعل هذا القلق المشوب بالمسؤولية هو من أصعب الدروس التي تجرعناها في كؤوس الغرفة.
■ هل يمكن للمرأة العصرية أن تعقد صلحاً بين الأناقة والبساطة؟
-
شيرين الألفي: بل إن الأناقة الحقيقية لا تحيا إلا في محراب البساطة. الإتيكيت يكره المبالغة ويمقت الاستعراض الفج. الأناقة هي أن ترتدي لكل مقام مقالاً من الثياب، دون إفراط يخدش العين، ولا تفريط يزهد في الحضور.
■ تناولتِ في كتابكِ موضوع “الهدايا” برؤية مغايرة.. كيف تقرأ شيرين الألفي ثقافة التهادي؟
-
شيرين الألفي: لدينا خلط مجتمعي في تقييم العطايا؛ إذ يربط البعض قيمة الهدية بثمنها المادي، وهذا لعمري زهد في معناها. الهدية هي رسول مشاعر، ونبض اهتمام، وليست استعراضاً للقدرة المالية. لا ينبغي للمرء أن يحمل نفسه أو شريك حياته ما لا يطيق من أجل هدية؛ فالقيمة تكمن في الذكرى والود، لا في الأرقام.
■ ختاماً.. ما هي نصيحتكِ الذهبية لشباب اليوم الطامحين لاعتلاء منصات السلك الدبلوماسي؟
-
شيرين الألفي: نصيحتي لهم كلمة واحدة، لكنها تحوي العالم: “اقرأوا”.. اقرأوا كثيراً وبشغف؛ فالقراءة هي التي توسع المدارك، وتهذب الروح، وتجعل من الدبلوماسي سفيراً بحق لفكر وطنه وثقافته.



