رئيس التحريرسلايدر

بلاغة الإدانة وعجز الفاعلية: التطرف لمواجهة واقع القدس المرير!

Listen to this article

رئيس التحرير يكتب

تتحول الاجتماعات الوزارية العربية والإسلامية، مع كل تصعيد استيطاني في القدس المحتلة، إلى مسرح لتكرار المعجم السياسي المُنهَك عبر عقود من الاستخدام. تعكس التصريحات الصادرة عن اجتماع وزراء الخارجية العرب والإسلاميين نمطاً ممتداً من سياقات الشجب والتحذير، حيث تتجلى الفجوة الحادة بين التشخيص السياسي الدقيق لطبيعة الانتهاكات الإسرائيلية، وبين الأدوات التنفيذية الغائبة للتعامل مع واقع المدينة المرير.

نقد بنيوي لبيانات الإدانة والتحذير

تُظهر قراءة مضامين التصريحات الصادرة عن الوزراء والمسؤولين المشاركين استمرار الاتكاء على ثلاثية: التشخيص، والتحذير، والمطالبة:

  1. التشخيص بلا أسلحة ردع: تتفق التصريحات الصادرة عن مختلف الدول المشاركة دون استثناء على أن ما يجري هو مساس مباشر بالوضع التاريخي والقانوني، ومحاولات لـ التقسيم الزمني والمكاني للأقصى، وتهويد المدينة. غير أنه مع الخطورة الاستراتيجية للمخطط الإسرائيلي، تظل الردود محصورة في النطاق اللفظي دون إرفاقها بـ بدائل ضاغطة.

  2. المطالبة بالتدخل الدولي: تُبرز الكلمات الصادرة عن الوفود المشاركة تكرار الدعوات الموجّهة لـ المجتمع الدولي والمنظمات الأممية للتدخل. هذا الرهان يواجه واقعاً ملموساً يتمثل في شلل أدوات إنفاذ القانون الدولي ومحطّات الفيتو المتكررة، مما يجعل المطالبات الموجهة للخارج إبراءً للذمة السياسية أكثر منها خطة عمل موجهة.

  3. الخطاب التحذيري من “انفجار الأوضاع”: يُلاحظ في معظم التصريحات استخدام لغة التحذير من الانزلاق لعمق الصراع أو خروج الأوضاع عن السيطرة. الإشكالية في هذا الطرح تكمن في أن الاحتلال يتعامل مع هذه التحذيرات كـ حدود لفظية عامة لا تترتب عليها كلفة سياسية أو دبلوماسية مباشرة.

تحليل البدائل الميدانية والجيوسياسية المطروحة

أمام تراجع فاعلية المنظومة الرسمية وتفاقم الواقع المرير بالقدس، تبرز في الفضاء العام أطروحات تنادي بـ تغييرات جذرية في تحالفات المنطقة واستراتيجياتها:

1. خيار الخروج من اتفاقيات السلام وإلغاء التحالفات

تنادي بعض الرؤى الراديكالية بضرورة إلغاء اتفاقيات السلام المبرمة (مثل كامب ديفيد، وادي عربة، والاتفاقيات الإبراهيمية) واعتبار جرائم الاحتلال موجباً لإلغائها.

  • القراءة السياسية: على الرغم من أن إلغاء الاتفاقيات يمثل ورقة ضغط استراتيجية قصوى، إلا أن النظام الرسمي العربي يتعامل مع هذه الاتفاقيات كـ عناصر توازن جيوسياسي وأمني ترتبط بملفات إقليمية متعددة وليست مجرد ورقة إجرائية، مما يجعل التلويح بقطعها محكوماً بـ حسابات وتعقيدات كل دولة على حدة.

2. التوجه نحو حلف إقليمي بديل والحل العسكري الشامل

يقترح البعض تخلّي الدول الإقليمية (كدول الخليج) عن شراكاتها الغربية والمناداة بـ حرب شاملة بقيادة إيرانية.

3. دعم المقاومة الشعبية وتطوع الحركات السياسية

تتضمن المظالم الشعبية مطالبات بـ فتح باب التطوع ودعم فصائل المقاومة (كحماس والجهاد وفصائل العمل الوطني) وإعادة تسليح الجبهات على غرار سياسات التسليح الميداني للمستوطنين.

  • القراءة السياسية: تشهد السياسات الرسمية تقييداً صارماً لهذا الخيار بسبب مخاوف تتعلق بـ استقرار أنظمة الحكم المحلية، والتصنيفات الدولية لبعض الفصائل، وتجنب العقوبات الاقتصادية والسياسية التي قد تفرضها القوى الغربية. هذا التباين بين الرغبة الشعبية في الإسناد المباشر والحذر الرسمي يمثل أحد أكبر فجوات الإرادة السياسية في المنطقة.

4. أطروحة “التطرف لمواجهة واقع القدس المرير”: الجماعات الإسلامية والمواجهة العقائدية

يذهب اتجاه آخر في الخطاب الشعبي والراديكالي إلى الانحياز لخيار التجييش العقائدي الصريح وتبني استراتيجية التطرف لمواجهة التغوّل الاستيطاني عبر اعتماد الجماعات الإسلامية كأداة مواجهة رئيسية، تحت مقولة “لا يفل الحديد إلا الحديد”.

  • القراءة السياسية: يُنظر إلى هذا الطرح باعتباره يعكس حالة من اليأس الممتد من الأدوات الدبلوماسية والقانونية. غير أن اعتماد استراتيجية التطرف المضاد يحمل تعقيدات واضحة؛ إذ إن تغليب الصراع العقائدي المغلق يفرغ القضية من بعدها القانوني والحقوقي الدولي، ويمنح الأطراف الدولية مبررات إضافية لفرز الصراع باعتباره “إرهاباً” بدلاً من كونه صراعاً ضد احتلال غير شرعي. كما أن تحريك هذا الخيار يصطدم مباشرة بأولويات الأمن القومي للدول ومخاوفها من فقدان السيطرة على الفاعلين من غير الدول.

الخلاصة

إن خطورة المرحلة الحالية لا تكمن فقط في الإجراءات الأحادية التي يفرضها الاحتلال بالقدس المحتلة، بل في حالة الاعتياد السياسي على البيانات الصادرة عن مؤسسات القرار العربي والإسلامي. إن عدم التوافق على استراتيجية موحدة تجمع بين الضغط الدبلوماسي، واستخدام أوراق القوة الاقتصادية والسياسية، ودعم الصمود الميداني، يُبقي المشهد رهيناً لـ سياسة فرض الأمر الواقع الإسرائيلية، ويُعمق الفجوة بين الخطاب الرسمي والتطلعات الشعبية.

اترك تعليقاً

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى