رئيس التحريرسلايدر

سيد البيض والرماد: كيف يُجفف ترامب الشجر ويقطف البشر باسم “الصفقات العظمى”؟

Listen to this article

رئيس التحرير يكتب

في عالم السياسة الحديثة، يُعرف القادة العظام بـ بناء السدود، و زراعة الأشجار، و تشييد الجسور، لكن التاريخ سيسجل بدقة متناهية أن دونالد ترامب هو القائد الوحيد الذي استطاع، بكفاءة استثمارية نادرة، أن يُحول الكوكب بأكمله إلى ساحة إخلاء إجباري، وأن يتصدر قائمة أكثر الشخصيات جمعاً لـ نقاط الكراهية في مختلف القارات واللغات!
إنه رئيس لا يتعامل مع البشر ككائنات حية لها أحلام وأسر وأفراح، بل كـ أرقام مجردة في جدول بيانات، أو ربما كـ عقارات قديمة تعترض طريق منتجعه الاستثماري القادم. فإن تحرك طفل في غزة، أو زرعت عائلة شجرة زيتون في جنوب لبنان، أو احتفل عريس في قرية سيريك بمحافظة هرمزغان الإيرانية، فإن كل ذلك بالنسبة لترامب ليس سوى تعدٍّ صارخ على ملكية الفضاء الجوي الأكبر، ولابد من إرسال فاتورة الردع فوراً عبر صاروخ ذكي.
استراتيجية التطهير الشامل: من الشجر إلى البشر
لا تقتصر الموهبة الترامبية على الخصوم السياسيين فحسب، بل تمتد لتشمل البيئة و الجماد و الموروث الإنساني. إنه الرجل الذي نجح في إعلان الحرب على:
  • الأطفال والبراءة: من زواريب غزة إلى أزقة ضاحية بيروت وقرى جنوب إيران، يبدو أن لعب الأطفال وضحكاتهم تُشكل تهديداً وجودياً للأمن القومي الأمريكي، ولذلك فلابد من القضاء على أي شائعة أمل أو فرح في مهدها.
  • الشجر والحجر: الشجرة في لبنان أو فلسطين أو إيران ليست مجرد كائن حي، بل هي شريك في الجريمة لأنها تطاولت بالنمو دون ترخيص من منظمة ترامب. أما الحجر والبيوت، فهي مجرد عقارات لم يوقع أصحابها على عقد البيع الشامل.
  • الأعراس والمناسبات: حفل زفاف في سيريك؟ بالتأكيد هذا تجمع غير قانوني لم يحصل على موافقة لجنة تنظيم الحفلات العالمية، ولذا يستحق قطعة من الصواريخ الترامبية كـ هدية زفاف تترك العرس بلا عروس، والدار بلا سقف.
معادلة التجويع: هندسة الإذلال باسم “الاستسلام الناعم”
ليس السلاح وحده هو الوسيلة المفضلة لسيد البيت الأبيض، بل يمتلك أدوات أكثر نظافة وأشد فتكاً، وفي مقدمتها سياسة التجويع والحصار.
في فلسفة ترامب الاقتصادية، التجويع ليس عقاباً، بل هو أداة تفاوضية فعالة جداً. إن حرمان الشعوب من الدواء، و حظر تصدير الغذاء، و تجفيف شريان الحياة عن الملايين في إيران أو غزة، ليس إلا محاولة صريحة لـ إجبار الناس على جثو الركب. إنه منطق رجال الأعمال الجشعين: ضع خصمك تحت الضغط حتى يوقع على التنازل الشامل، ثم أعلن للصحافة أنك حققت صفقة قرن جديدة!
لكن ما يغفله هذا العقل التجاري المجرد هو أن الشعوب ليست شركات قابلة للإفلاس والتصفية، وأن الكرامة الإنسانية لا تُطرح في بورصة نيويورك لتحديد سعرها.
موسوعة الكراهية العابرة للقارات
لقد نجح ترامب فيما فشل فيه الأطباء والمصلحون: توحيد البشرية! ولكن، للأسف، لم يجمعهم على الحب أو السلام، بل جمعهم على مشاعر الغضب والاستهجان الشديد لممارساته.
  • في طهران وبغداد: يُنظر إليه كقائد يسعى لـ محو معالم الحياة اليومية بدعوى حماية الملاحة وفرض الهيبة.
  • في بيروت وغزة: يُعتبر المقاول الأول لدمار البيوت واغتيال الطفولة وتدمير البنية التحتية.
  • في العواصم العالمية: يُنظر إليه كظاهرة غريبة تحول فيها الدبلوماسية الدولية إلى منصة لـ الردود العشوائية والتغريدات الاستعراضية.
التاريخ لا ينسى المأساة
إن الإرث الذي يكتبه ترامب اليوم بـ دماء الأطفال و دموع الثكالى و رماد القرى لن يمحوه الزمن. قد يظن أن القوة الغاشمة والصواريخ الذكية قادرة على إعادة تشكيل العالم وفق مقاسات عقاراته، لكن الحقيقة الثابتة هي أن إرادة الشعوب وذاكرتها أكبر بكثير من أي ترسانة.
سيستمر الأطفال في اللعب، وستعود أشجار الزيتون والصنوبر للنمو، وستقام الأعراس في سيريك وغيرها، بينما سيبقى اسم دونالد ترامب مسجلاً في صفحات التاريخ كرمز لـ التغول والتجرد من القيم الإنسانية.

اترك تعليقاً

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى