نَبِيلُ فَهْمِي فِي مُفْتَرَقِ الطُّرُقِ.. مِنْ غَزَّةَ وَهُرْمُزَ إِلَى إِيرَانَ وَالأُمَمِ المُتَّحِدَةِ: مَنْ يُنْقِذُ الشَّرْقَ الأَوْسَطَ؟

رئيس التحرير يكتب
تأتي مشاركة نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، في أعمال الشق رفيع المستوى للدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة، في لحظة دولية وإقليمية لا تسمح بالمواقف التقليدية ولا باللغة الدبلوماسية المعلّبة.
فالعالم يصل إلى نيويورك فيما تتقاطع أزمات الشرق الأوسط عند أكثر من خط نار: غزة، والضفة الغربية، والقدس، وإيران، وأمن الخليج، ومضيق هرمز، والبحر الأحمر، ومستقبل النظام الدولي نفسه.
ومن هنا، فإن السؤال الحقيقي ليس فقط: ماذا سيقول نبيل فهمي في نيويورك؟
بل: كيف يمكن للجامعة العربية أن تحول حضور أمينها العام إلى موقف عربي مؤثر في ملفات باتت تتجاوز حدود المنطقة إلى صميم النظام الدولي؟
غزة.. من توصيف المأساة إلى اختبار القدرة على الفعل
القضية الفلسطينية ستكون، وفق البيان العربي، في مقدمة أولويات فهمي، في ظل استمرار المأساة الإنسانية في غزة والانتهاكات الإسرائيلية في الضفة الغربية والقدس.
لكن التحدي الدبلوماسي يتجاوز إعادة عرض حجم الكارثة.
فالسؤال الذي يفرض نفسه على الجامعة العربية هو: ماذا بعد بيانات الإدانة؟
إذا كانت القرارات الدولية لا تتحول إلى إجراءات فاعلة على الأرض، وإذا ظل المدنيون الفلسطينيون يدفعون الثمن، فإن الحديث عن استعادة الثقة في المؤسسات الدولية سيظل ناقصًا ما لم يقترن بآليات تنفيذ ومساءلة واضحة.
وهنا تستطيع الجامعة العربية أن تدفع باتجاه ربط حماية المدنيين، ووقف الأعمال العدائية، واحترام القانون الدولي، وفتح المسار السياسي، بدل ترك الملف الفلسطيني أسير دائرة متكررة من الاجتماعات والبيانات.
إسرائيل والقرارات الدولية.. السؤال عن آلية التنفيذ
لا تكمن المشكلة في كثرة القرارات الدولية بقدر ما تكمن في الفجوة بين القرار والتنفيذ.
ومن ثم، يمكن لفهمي أن يطرح في نيويورك سؤالًا مؤسسيًا يتجاوز إسرائيل وحدها:
ماذا تعني الشرعية الدولية إذا كانت قدرتها على التنفيذ تختلف باختلاف الدولة والظرف السياسي؟
هذا السؤال يكتسب أهمية خاصة في ظل ما يصفه البيان العربي بالانتهاكات الإسرائيلية المتكررة لسيادة دول المنطقة وأراضيها.
ويمكن للجامعة العربية أن تطالب بأن تكون قواعد القانون الدولي واحدة في التطبيق، لا متعددة المعايير بحسب موازين القوة والتحالفات.
الأمم المتحدة.. إصلاح لا انسحاب
أما ملف إصلاح الأمم المتحدة، فهو من الملفات التي يمكن أن تمنح خطاب فهمي بُعدًا استراتيجيًا.
فالمفاوضات الحكومية الدولية بشأن إصلاح مجلس الأمن مستمرة منذ سنوات، وتشمل مسألة التمثيل العادل وزيادة عضوية المجلس.
وهنا يمكن أن يكون الموقف العربي أكثر وضوحًا:
المطلوب ليس الخروج من الأمم المتحدة، وإنما إصلاحها من الداخل، وتوسيع تمثيل الدول والمناطق التي لا تعكس بنية مجلس الأمن الحالية وزنها السياسي والديموغرافي.
فالدول العربية، ومعها دول الجنوب العالمي، تستطيع تحويل مسألة إصلاح المجلس من مطلب موسمي إلى مشروع تفاوضي طويل المدى يتعلق بالتمثيل والعدالة وفعالية القرار.
أما فكرة الانسحاب من المنظمة الدولية، فتطرح أسئلة أكبر حول البديل وآليات حماية المصالح الوطنية والإقليمية؛ ولذلك فإن الإصلاح المؤسسي يظل أكثر قابلية للنقاش الدبلوماسي من مغادرة المنظمة.
فهمي.. هل يستطيع لَمَّ الشمل العربي، أم يذهب أبعد إلى لَمِّ الإقليم؟
هنا تحديدًا تبدأ المهمة الأصعب أمام نبيل فهمي.
فهل يستطيع أمين عام جامعة الدول العربية أن يكتفي بمحاولة لَمِّ الشمل العربي، أم يذهب إلى مساحة أكثر جرأة، فيحاول لَمَّ شتات الإقليم نفسه حول طاولة واحدة، بما فيها إيران، بدل أن يبقى الشرق الأوسط أسير معادلة المحاور والخصومات المفتوحة؟
السؤال ليس بسيطًا، ولا يحتمل إجابة شعاراتية.
فالبيان الرسمي لجامعة الدول العربية يركز، في جانب منه، على أمن الخليج في مواجهة ما يصفه بالاعتداءات الإيرانية، وعلى حماية الملاحة في مضيق هرمز والبحر الأحمر.
لكن الدبلوماسية الحقيقية تبدأ أحيانًا من النقطة التي تتوقف عندها البيانات الرسمية.
هل يمكن البحث عن صيغة أمن إقليمي لا تقوم فقط على إدانة هذا الطرف أو ذاك، وإنما على منظومة أمن جماعي تشمل جميع دول المنطقة، بما فيها إيران؟
وهل تستطيع الجامعة العربية أن تفتح نافذة للحوار مع طهران، من دون أن يعني ذلك تجاهل أي اعتداء على دولة عربية أو التنازل عن سيادتها أو أمنها؟
إيران.. نصف قرن من الثورة ولم تُغلق القصة
بعد نحو نصف قرن على الثورة الإيرانية، ما زالت العلاقة بين إيران وجوارها العربي واحدة من أكثر معضلات الشرق الأوسط تعقيدًا.
ومن هنا يمكن طرح قراءة سياسية مفادها أن محاولات احتواء الثورة الإيرانية أو تطويق النظام الإيراني لم تُنهِ وجوده، كما أن استمرار الصراع لم ينتج أمنًا إقليميًا مستقرًا.
وهنا قد يكون السؤال الأكثر جرأة:
إذا لم تنجح سياسة العزل والمواجهة في إنهاء الخلاف الإيراني ـ العربي، فلماذا لا تُجرَّب مقاربة مختلفة تقوم على الحوار والضمانات المتبادلة وعدم الاعتداء؟
فالإقرار بوجود إيران كقوة إقليمية لا يعني الموافقة على جميع سياساتها، كما أن انتقاد سلوك إيراني معين لا ينبغي أن يتحول تلقائيًا إلى رفض للحوار مع إيران.
وبالمثل، فإن الدفاع عن أمن الخليج لا يتعارض بالضرورة مع البحث عن ترتيبات أمنية إقليمية تشمل الخليج وإيران والعراق وبقية دول المنطقة.
من يربح من بقاء المنطقة في دائرة الصراع؟
وهنا يبرز سؤال آخر أكثر حساسية:
هل تستطيع دول المنطقة أن تعيد النظر في علاقاتها ومصالحها في ضوء حقيقة أن الثروات والطاقة والممرات البحرية والأسواق تجعل الشرق الأوسط محل تنافس دولي مستمر؟
إسرائيل والولايات المتحدة وغيرهما من القوى الدولية والإقليمية لديها مصالح استراتيجية واقتصادية وأمنية في المنطقة؛ لكن تحليل هذه المصالح يحتاج إلى التمييز بين المصالح المعلنة، والسياسات الفعلية، والاتهامات السياسية التي تحتاج إلى أدلة مستقلة.
ولهذا فإن المطلوب من الخطاب العربي ليس تبني نظرية مؤامرة شاملة، وإنما طرح سؤال أكثر قوة:
هل تستطيع دول المنطقة أن تجعل ثرواتها وطرق تجارتها وقرارها السياسي أدوات للاستقلال والتعاون، بدل أن تتحول إلى مصادر دائمة للتنافس والصراع؟
هذه هي النقطة التي يمكن أن يرتفع عندها خطاب فهمي من رد الفعل إلى المبادرة.
العرب أمام لحظة مراجعة.. لا أمام شعار ثورة
ربما لا يحتاج العالم العربي إلى «ثورة» بالمعنى الذي قد يقود إلى الفوضى أو إسقاط الدول، بقدر ما يحتاج إلى ثورة تصحيحية في التفكير والسياسات.
تصحيح للماضي حين أخطأت الحسابات.
وتصحيح للحاضر حين أصبحت الخلافات العربية والإقليمية تستنزف الإمكانات.
وتصحيح للمستقبل قبل أن تصبح المنطقة مجرد ساحة تتنافس فيها القوى الكبرى على النفوذ والطاقة والممرات والأسواق.
فالمعادلة التي يفرضها الواقع ليست بالضرورة:
إما الزوال أو الثورة.
بل يمكن أن تكون:
إما استمرار السياسات التي أثبتت محدودية قدرتها على إنهاء الأزمات، أو إطلاق مراجعة استراتيجية عربية وإقليمية تعيد ترتيب الأولويات على أساس المصالح المشتركة.
وهنا تصبح القوة العربية في قدرتها على الحوار والتفاوض وبناء التحالفات، لا في استمرار الانقسام.
نَبِيلُ فَهْمِي.. مَنْ يَحْمِلُ آمَالًا أَكْبَرَ مِنْ حُدُودِ المَنْصِب
الحقيقة أن نبيل فهمي دخل موقع الأمين العام لجامعة الدول العربية محمّلًا بآمال جماهيرية واسعة؛ ليس فقط لأنه دبلوماسي مخضرم، وإنما لأن المرحلة نفسها تبحث عن صوت عربي يستطيع أن يقول الحقيقة دون أن يحوّلها إلى خصومة، وأن يدافع عن المصالح العربية دون أن يغلق أبواب الحوار مع الجوار.
لكن الأمين العام، مهما امتلك من خبرة، لا يستطيع أن يصل إلى بر أمان أحلام الشعوب العربية إذا ظل أعضاء الجامعة محيطين به بالقيود بدل أن يكونوا محيطين به بالدعم.
فالأمين العام لا يصنع سياسة الجامعة منفردًا.
الدول الأعضاء هي التي تمنحه مساحة الحركة، وهي التي تستطيع أن تمنحه الغطاء السياسي، وهي التي تستطيع أن تحاصره أيضًا إذا اختلفت حساباتها.
ومن هنا، فإن المعادلة الأدق ليست أن «يلتف الأعضاء حول فهمي» كشخص، وإنما أن تلتف الدول العربية حول مشروع مشترك، ويصبح فهمي أداة دبلوماسية لتنفيذه.
الخليج وإيران.. هنا تبدأ أصعب مهمة
اللافت في بيان جامعة الدول العربية أن أمن الخليج يحتل موقعًا واضحًا، مع إدانة ما يصفه البيان بـ «الاعتداءات الإيرانية» التي طالت دول الخليج ومنشآتها الحيوية، إلى جانب التشديد على حرية الملاحة في مضيق هرمز والبحر الأحمر.
وهذا هو الموقف الرسمي المعلن في البيان العربي، ولا يصح تحليليًا تحويله إلى حقيقة غير قابلة للنقاش أو إلى تبنٍّ مستقل لكل توصيفاته.
لكن أهمية وجود فهمي في نيويورك تكمن في إمكانية طرح السؤال الأوسع:
هل يمكن بناء أمن خليجي مستدام من خلال الردع والمواجهات المتبادلة فقط، أم أن أمن الخليج يحتاج أيضًا إلى ترتيبات إقليمية للحوار وعدم الاعتداء وحماية الملاحة؟
فالخليج ليس مجرد مساحة جغرافية؛ إنه عقدة للطاقة والتجارة والممرات البحرية، وأي اضطراب في هرمز أو البحر الأحمر يتجاوز أثره حدود الدول المطلة عليه.
ولهذا، فإن الحديث عن أمن الخليج ينبغي ألا ينفصل عن البحث في أمن المنطقة بأكملها، بما فيها إيران والدول العربية المطلة على الخليج.
وهنا يمكن للدبلوماسية العربية أن تفرق بين أمرين:
إدانة أي اعتداء على دولة عربية من جهة، ورفض تحويل الخلافات الإقليمية إلى حرب مفتوحة من جهة أخرى.
فهمي وغوتيريش.. فرصة لفتح ملف الثقة الدولية
لقاء فهمي المرتقب مع الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش قد يكون من أهم لقاءات الزيارة.
فغوتيريش نفسه يجعل استعادة الثقة في النظام متعدد الأطراف محورًا أساسيًا للدورة الحالية، بينما تواجه المنظمة تحديات كبيرة في التعامل مع الحروب والأزمات الدولية.
ومن هنا، يمكن أن يكون الحوار العربي مع الأمين العام للأمم المتحدة أكثر من استعراض للمواقف:
كيف تستعيد الأمم المتحدة ثقة الشعوب التي ترى قراراتها عاجزة عن وقف الحروب؟
وكيف يمكن تحويل الجمعية العامة إلى مساحة أكثر تأثيرًا عندما تعجز المؤسسات التنفيذية عن التحرك؟
نيويورك.. ليست منصة خطاب، بل ساحة اختبار
المشهد الدولي في نيويورك هذا العام سيكون مزدحمًا بملفات الشرق الأوسط وأوكرانيا والذكاء الاصطناعي والمناخ وإصلاح النظام الدولي، مع مشاركة واسعة من قادة الدول والحكومات.
لذلك، فإن قيمة زيارة نبيل فهمي لن تقاس بعدد الاجتماعات التي سيعقدها، ولا بعدد البيانات التي ستصدر عنه.
القيمة الحقيقية ستظهر في قدرة الجامعة العربية على نقل القضايا العربية من خانة الشكوى إلى خانة المبادرة.
فغزة تحتاج إلى مسار سياسي، وأمن الخليج يحتاج إلى رؤية إقليمية، والبحر الأحمر وهرمز يحتاجان إلى حماية الملاحة، والأمم المتحدة تحتاج إلى إصلاح، والعالم العربي يحتاج إلى صوت أكثر تنسيقًا.
من غزة إلى هرمز.. ومن العرب إلى الإقليم
قد يكون الاختبار الحقيقي لفهمي إذن ليس في قدرته على تكرار المواقف العربية المعروفة، وإنما في قدرته على جمع الخيوط المتشابكة:
غزة تحتاج إلى حماية المدنيين وأفق سياسي.
وفلسطين تحتاج إلى عدالة سياسية لا إلى إدارة دائمة للصراع.
والخليج يحتاج إلى أمن مستدام.
وهرمز والبحر الأحمر يحتاجان إلى حرية ملاحة آمنة.
وإيران تحتاج إلى التعامل معها كطرف إقليمي لا يمكن تجاهله، مع استمرار الحوار حول الملفات الخلافية.
والعالم العربي يحتاج إلى موقف أكثر تنسيقًا.
والأمم المتحدة تحتاج إلى إصلاح يعيد الاعتبار للعدالة وتكافؤ المعايير.
وهنا فقط يمكن أن تتحول رحلة نبيل فهمي إلى أكثر من زيارة دبلوماسية إلى نيويورك.
يمكن أن تصبح محاولة لاختبار فكرة أكبر:
هل تستطيع الدبلوماسية العربية أن تنتقل من إدارة الانقسام إلى صناعة التوافق؟
وهل يستطيع أمين عام الجامعة أن يكون جسرًا بين العرب وجيرانهم، لا مجرد متحدث باسم الخلافات العربية؟
فإذا استطاع أن يفتح بابًا للحوار العربي ـ الإيراني، وأن يجمع المواقف العربية حول المصالح المشتركة، وأن يضع قضية فلسطين في قلب النظام الدولي، وأن يدفع نحو إصلاح الأمم المتحدة، فسيكون قد نقل وظيفة الجامعة من رد الفعل إلى المبادرة.
أما إذا ظل محاصرًا بتناقضات الدول الأعضاء، فسوف تبقى أحلام الشارع العربي أكبر من قدرة المؤسسة على تحقيقها.
الحقيقة التي تنتظرها المنطقة ليست أن ينتصر طرف على طرف، وإنما أن ينتصر العقل السياسي على منطق الصراع الدائم.
وهنا يصبح السؤال الذي يحمله فهمي إلى نيويورك أكبر من غزة، وأكبر من الخليج، وأكبر من إيران:
هل آن للعرب أن يلتفوا حول مشروعهم، وللإقليم أن يلتقي حول أمنه، وللنظام الدولي أن يلتزم بالقانون الذي وضعه بنفسه؟
فبر الأمان لا تصنعه العواصف، وإنما تصنعه شجاعة الاعتراف بالحقيقة، وإرادة تصحيح المسار، وجرأة فتح الأبواب التي ظلت مغلقة طويلًا.



