
أشرف أبو عريف
يفتح انعقاد القمة الأولى بين آسيا الوسطى وجمهورية كوريا على مستوى رؤساء الدول في سيول صفحة جديدة في مسار العلاقات بين الجانبين، لا باعتبارها مجرد انتقال بروتوكولي من مستوى الوزراء إلى القادة، وإنما بوصفها محاولة لإعادة صياغة التعاون على أساس شراكة أكثر عمقاً في التكنولوجيا والصناعة والاستثمار ورأس المال البشري.
وبحسب تحليل بخزدور نورماتوف، الباحث البارز في معهد الدراسات الاستراتيجية والإقليمية التابع لرئيس جمهورية أوزبكستان، نشرته وكالة «دونيو»، فإن أهمية القمة تكمن في قدرتها على نقل التعاون من تراكم طويل من الآليات والاتصالات إلى مشروعات عملية ذات طابع إقليمي.
من الحوار المؤسسي إلى القرار السياسي
لم تبدأ العلاقات بين الجانبين مع القمة الحالية؛ فقد تأسس منتدى التعاون بين جمهورية كوريا وآسيا الوسطى عام 2007، ثم أُنشئت أمانته الدائمة عام 2017، والمجلس الاقتصادي عام 2020، فيما انطلق اجتماع رؤساء البرلمانات عام 2023، ومنتدى مراكز الفكر عام 2024.
وهذا التدرج يكشف عن مسار واضح: التعاون لم يعد تجربة ناشئة، وإنما شبكة متعددة المستويات أصبحت بحاجة إلى مظلة سياسية أعلى قادرة على تحويلها إلى مشروعات أكثر تكاملاً.
ومن هنا تأتي دلالة الانتقال إلى مستوى رؤساء الدول؛ فهو يعكس، وفق رؤية الباحث، اتساع المصالح المشتركة، ورغبة الجانبين في إعطاء دفعة جديدة للتعاون في التجارة والاستثمار والطاقة والمعادن الحيوية وسلاسل الإمداد.
المعادلة الجديدة: لا للمواد الخام وحدها
أكثر ما يلفت النظر في الطرح الأوزبكي هو محاولة إعادة تعريف طبيعة الشراكة الاقتصادية.
فآسيا الوسطى تمتلك موارد طبيعية كبيرة وأسواقاً آخذة في التوسع وموقعاً جغرافياً مهماً، بينما تمتلك كوريا الجنوبية التكنولوجيا ورأس المال والخبرات الصناعية. لكن تحويل هذه العناصر إلى شراكة مستدامة يتطلب تجاوز نموذج تصدير المواد الخام واستيراد المنتجات المصنعة.
المعادلة الأكثر طموحاً تتمثل في بناء سلسلة إنتاج متكاملة داخل المنطقة: الاستكشاف الجيولوجي، والاستخراج، والمعالجة العميقة، وإنتاج المكونات، ثم تصنيع السلع النهائية.
وبذلك لا تصبح الثروة المعدنية مجرد صادرات، بل مدخلاً إلى التصنيع ونقل التكنولوجيا وخلق الوظائف وتكوين الخبرات المحلية.
المعادن الحيوية.. ثروة استراتيجية في قلب الشراكة
تكتسب المعادن الحيوية أهمية خاصة في هذا السياق، نظراً إلى ارتباطها بالصناعات المتقدمة والتقنيات الحديثة.
وتملك دول آسيا الوسطى احتياطيات مهمة من هذه المعادن، بينما تمتلك كوريا الجنوبية قدرات متقدمة في معالجتها واستخدامها الصناعي. ومن ثم، فإن الجمع بين الموارد الطبيعية والخبرة التكنولوجية يمكن أن يفتح مجالاً لبناء صناعات ذات قيمة مضافة أعلى داخل المنطقة.
لكن التحدي الحقيقي لا يكمن في استخراج المعدن فقط، بل في السؤال الأهم: أين تتم المعالجة؟ وأين تُصنع المكونات؟ ومن يمتلك التكنولوجيا والخبرة؟
وهنا تبدو فكرة توطين التصنيع ونقل التكنولوجيا وتدريب المهندسين أكثر أهمية من مجرد زيادة حجم التجارة.
المشروع الإقليمي يتجاوز العلاقات الثنائية
تطرح الرؤية الواردة في التحليل الأوزبكي نقطة أخرى مهمة، وهي ألا يتحول إطار «آسيا الوسطى ـ كوريا» إلى مجرد مجموع لعلاقات ثنائية بين كوريا الجنوبية وكل دولة من دول المنطقة.
فالفرصة الأكبر تكمن في مشروعات تجمع أكثر من دولة في آسيا الوسطى، سواء في سلاسل الإنتاج العابرة للحدود، أو النقل والخدمات اللوجستية الرقمية، أو الطاقة، أو إدارة المياه، أو التكنولوجيا الصناعية.
وهذا من شأنه أن يمنح التعاون بعداً إقليمياً حقيقياً، ويجعل من كوريا الجنوبية شريكاً في عملية التكامل الاقتصادي لآسيا الوسطى، وليس فقط مستثمراً في اقتصادات منفردة.
التكنولوجيا.. الجسر بين الموارد والقيمة المضافة
تمتلك كوريا الجنوبية خبرات متقدمة في مجالات الإلكترونيات، وصناعة السيارات، والبطاريات، والذكاء الاصطناعي، والطاقة، والطب، وإدارة الموارد المائية، ورقمنة الصناعة.
وفي المقابل، تتمتع آسيا الوسطى بأسواق نامية، وقاعدة صناعية آخذة في التطور، وموارد كبيرة، وموقع استراتيجي يصل بين مساحات جغرافية واقتصادية واسعة.
ومن هنا يمكن أن تتشكل معادلة تكاملية: الموارد والأسواق والموقع من جانب، والتكنولوجيا ورأس المال والخبرة من الجانب الآخر.
غير أن القيمة الحقيقية لهذه المعادلة ستظهر عندما تتحول إلى منتجات تُصنع في آسيا الوسطى، وليس فقط إلى مواد تُستخرج منها.
المرونة.. درس من اضطراب سلاسل الإمداد
تضع الرؤية أيضاً مفهوم المرونة الاقتصادية والاستراتيجية في قلب الشراكة.
فاضطرابات النقل والطاقة والإنتاج عالمياً أظهرت هشاشة سلاسل الإمداد العابرة للحدود، وهو ما يدفع دول آسيا الوسطى إلى البحث ليس فقط عن استثمارات جديدة، وإنما عن بناء قدرات داخلية تشمل طرقاً بديلة، وتصنيعاً محلياً، وكفاءات تكنولوجية، وقوى عاملة مؤهلة.
وفي هذا المجال، يمكن للتعاون مع كوريا الجنوبية أن يتجاوز الاستثمار التقليدي إلى المساهمة في بناء قدرات إنتاجية وتكنولوجية طويلة الأجل.
الذكاء الاصطناعي والمياه والكوادر.. اقتصاد المستقبل
ومن بين المجالات التي يقترحها التحليل تطوير التعاون في الذكاء الاصطناعي ورقمنة الصناعة، إلى جانب تقنيات توفير المياه والطاقة، وإعداد الكوادر الهندسية والفنية.
وهذه المجالات مهمة بصورة خاصة لآسيا الوسطى، حيث تتقاطع تحديات التنمية الصناعية مع قضايا المياه والطاقة والنقل والتحول الرقمي.
كما أن تدريب المهندسين لا يقل أهمية عن إنشاء المصانع؛ لأن التكنولوجيا لا تنتقل بصورة مستدامة من دون الإنسان القادر على تشغيلها وتطويرها وإعادة إنتاج المعرفة المرتبطة بها.
أوزبكستان.. من التجربة الثنائية إلى الجسر الإقليمي
تحظى القمة بأهمية خاصة بالنسبة لأوزبكستان، التي تتمتع بعلاقات متقدمة مع كوريا الجنوبية، ويصفها الطرح الأوزبكي بأنها تقوم على أساس شراكة استراتيجية خاصة ذات قاعدة عملية واسعة.
ومن ثم، تستطيع طشقند، وفق رؤية الباحث، أن تسعى إلى نقل بعض خبرتها الثنائية إلى المستوى الإقليمي، بحيث تصبح التجربة الكورية ـ الأوزبكية إحدى اللبنات في بناء تعاون أوسع يشمل دول آسيا الوسطى.
المعيار الحقيقي: ما بعد التوقيع
ربما تكمن أهم خلاصة في التحليل في أن نجاح القمة لا ينبغي أن يقاس بعدد الوثائق التي ستُوقع، وإنما بمدى القدرة على تحويل العلاقات من التجارة والاستثمار التقليديين إلى التصنيع المشترك ونقل التكنولوجيا وتنمية رأس المال البشري.
وهنا تتبلور معادلة الشراكة المقترحة بوضوح:
موارد آسيا الوسطى وأسواقها وموقعها الاستراتيجي، في تفاعل مع التكنولوجيا ورأس المال والخبرة الكورية، لإنتاج سلع عالية القيمة داخل المنطقة.
إذا نجحت القمة في وضع آليات تمويل وتنفيذ واضحة لهذه الرؤية، فقد يتحول إطار «آسيا الوسطى ـ كوريا» من منصة للحوار إلى أداة لبناء سلاسل إنتاج إقليمية جديدة.
فالمسألة في جوهرها ليست: كم ستبيع آسيا الوسطى من مواردها إلى كوريا الجنوبية؟
بل السؤال الأكثر عمقاً هو: كم من القيمة المضافة يمكن أن يُصنع داخل آسيا الوسطى بالشراكة مع كوريا الجنوبية؟
وهنا تحديداً قد تبدأ صفحة مختلفة من التعاون: من ثروات الأرض إلى صناعة المستقبل.



