
أشرف أبو عريف
تُحيي جامعة الدول العربية ذكرى ضحايا جريمة الإبادة الجماعية بحق الشعب الفلسطيني، في رسالةٍ تتجاوز استدعاء المأساة إلى تجديد الالتزام العربي والإنساني بحماية المدنيين وصون الذاكرة من النسيان. فمن قلب القاهرة، يظلُّ صوتُ غزة نداءً للعدالة والمساءلة، وتبقى دماء الشهداء أمانةً في ضمير العالم، حتى تتحقق الحقوق الفلسطينية المشروعة ويشرق فجر الحرية والاستقلال.
حين تتحوّل الذاكرة إلى شهادة، والدم إلى سؤالٍ للعدالة
ليست ذكرى ضحايا الإبادة الجماعية التي ارتُكبت بحق الشعب الفلسطيني مجرد مناسبة لاستعادة مشاهد الألم، أو الوقوف دقيقة صمت أمام أسماء الشهداء؛ إنها شهادة إنسانية في وجه النسيان، ونداءٌ للعدالة في عالمٍ لا تزال فيه أرواح الفلسطينيين تختبر صدقية القانون الدولي وفاعلية منظومة الحماية الدولية.
إن إحياء جامعة الدول العربية لهذه الذكرى، بالتنسيق مع المندوبية الدائمة لدولة فلسطين، يحمل دلالة تتجاوز الطابع البروتوكولي؛ فاعتماد يوم السابع عشر من أكتوبر من كل عام لاستذكار الضحايا، وفق القرار الوزاري العربي المشار إليه في البيان، يضع الذاكرة الفلسطينية في قلب الذاكرة العربية والإنسانية، ويؤكد أن ما جرى في غزة لا ينبغي أن يُختزل في أرقام عابرة، أو أن تبتلعه دوامة الأخبار المتلاحقة.
المعمداني.. جرحٌ في ذاكرة الإنسانية
في السابع عشر من أكتوبر عام 2023، شهد قطاع غزة واحدة من أكثر محطات الحرب إيلامًا، مع سقوط مئات الضحايا الفلسطينيين خلال أقل من أربع وعشرين ساعة، وفق ما أورده بيان جامعة الدول العربية، ومن بينهم ضحايا الانفجار الذي ضرب المستشفى الأهلي العربي «المعمداني» في مدينة غزة.
ولم يكن المستشفى، بما يمثله من ملاذٍ للمرضى والجرحى والباحثين عن الأمان، مجرد موقعٍ في جغرافيا الحرب؛ بل أصبح رمزًا للسؤال الذي يلاحق الضمير العالمي: أين تنتهي ذرائع الحرب، وأين تبدأ مسؤولية حماية الإنسان؟
إن استذكار الضحايا يقتضي التمسك بالحقيقة، وتوثيق الوقائع، والتحقيق المستقل في الانتهاكات، وتحديد المسؤوليات استنادًا إلى الأدلة والقانون، بعيدًا عن الانتقائية السياسية أو ازدواجية المعايير. فالعدالة لا تستقيم بتسييس الألم، ولا تتحقق بإسكات الشهود، وإنما بكشف الحقيقة ومساءلة المسؤولين وفق الإجراءات القانونية الواجبة.
من ذاكرة الضحايا إلى مساءلة المسؤولين
تكمن القيمة الأهم لهذه الذكرى في ألا تتحول إلى طقسٍ سنوي تتجدد فيه الخطب، ثم تنصرف العواصم إلى حساباتها ومصالحها، بينما يبقى المدنيون أسرى الخوف والدمار والنزوح.
فالذاكرة التي لا تقود إلى المساءلة تظل جرحًا مفتوحًا، والإدانة التي لا تسندها خطوات عملية تبقى أقل من حجم المأساة.
ومن هنا، تبرز مسؤوليات متعددة: تعزيز جهود توثيق الانتهاكات، ودعم المسارات القضائية الدولية، وضمان وصول المساعدات الإنسانية، وحماية المدنيين والمنشآت الطبية والعاملين في المجال الإنساني، والعمل على منع تكرار الجرائم، مع احترام قواعد القانون الدولي الإنساني ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته.
كما أن المطالبة بالحماية الدولية للشعب الفلسطيني ليست امتيازًا سياسيًا، بل تستند إلى مبادئ قانونية وإنسانية واجبة الاحترام. فحياة الفلسطيني ليست أقل قيمة من حياة أي إنسان آخر، ودم الطفل في غزة ليس أقل حرمة من دم طفل في أي مكان بالعالم.
جامعة الدول العربية.. من إحياء الذكرى إلى صناعة الأثر
يمنح إحياء هذه الذكرى في مقر جامعة الدول العربية بالقاهرة، للمرة الأولى، المناسبة بُعدًا مؤسسيًا مهمًا؛ إذ يتيح توحيد الجهود العربية حول حفظ الذاكرة الفلسطينية، وتطوير أدوات التوثيق، ومتابعة المسارات القانونية والدبلوماسية، وإبقاء قضية الضحايا حاضرة في المحافل الدولية.
غير أن التحدي الحقيقي لا يكمن في اختيار يومٍ للذكرى فحسب، وإنما في تحويل هذا اليوم إلى التزام عربي ودولي مستمر؛ التزامٍ لا يكتفي بتعداد الشهداء، بل يسعى إلى حماية الأحياء، وإنقاذ الأطفال، وصون كرامة النازحين، وضمان عدم إفلات المسؤولين عن الجرائم من المساءلة.
فالقضية الفلسطينية ليست ملفًا موسميًا يُفتح في المناسبات ويُغلق بانتهائها، بل قضية شعبٍ له حقوق أصيلة، وفي مقدمتها حقه في تقرير المصير وإقامة دولته المستقلة، وفق قرارات الشرعية الدولية والقانون الدولي.
غزة لا تطلب الرثاء وحده.. بل العدالة والحياة
إن أبلغ ما يمكن أن تقدمه المؤسسات العربية والدولية لضحايا غزة ليس الكلمات وحدها، مهما بلغت بلاغتها، بل العمل على أن تكون ذكراهم نقطة انطلاقٍ نحو حماية الإنسان، وترسيخ المساءلة، وإنهاء الظروف التي تتيح استمرار المأساة.
فالشهداء لا يحتاجون إلى ذاكرةٍ تتغنى بآلامهم ثم تنساهم، بل إلى عدالةٍ تحفظ أسماءهم من الضياع، وحقيقةٍ لا تُطمس، وحقوقٍ لا تسقط بالتقادم السياسي.
وإذا كانت غزة قد فقدت أبناءها تحت الأنقاض، فإن العالم مهدد بفقدان شيءٍ آخر كلما عجز عن حماية الأبرياء: ثقته في عدالة النظام الدولي، وفي أن القانون وُضع لحماية البشر جميعًا، لا لحماية بعضهم دون بعض.
ويبقى السؤال الذي ينبغي أن يرافق هذه الذكرى إلى كل عاصمةٍ ومؤسسةٍ ومحكمة:
كم من الشهداء يجب أن يسقطوا حتى تصبح حماية الإنسان واجبًا لا يخضع للمساومات؟ وكم من الأمهات يجب أن يبكين أبناءهن حتى تتحول الإدانات إلى عدالة، والوعود إلى أفعال؟
سلامٌ على أرواح شهداء فلسطين، ورحمةٌ على أطفال غزة ونسائها وشيوخها، وعزاءٌ لكل أمٍّ تنتظر ابنًا لن يعود، ولكل أبٍ يبحث بين الركام عن ملامح بيته وحياته.
ستبقى غزة جرحًا في ضمير الإنسانية، وستظل ذاكرتها أمانةً في أعناق الأحياء؛ فالأرض قد تُغطّي الركام، لكن الحقيقة لا ينبغي أن تُدفن، والذاكرة قد يطولها الزمن، لكن الحق لا ينبغي أن يموت.



