الديموقراطية على الطريقة البريطانية
المستشار الإعلامى للهيئة العامة للإستعلامات سابقا
يتباهى البريطانيون بعد إجراء الإنتخابات البرلمانية الأخيرة فى 7 مايو 2015 وإعلان النتائج بنظامهم الديموقراطى الذى لا نظير له فى العالم حيث تعتقد العقلية الأنجلو ساكسونية أنها النموذج الأمثل فى كل شئ سواء فى التحضر اوالنضج السياسى أوالرؤية الرشيدة فى التعامل مع الصراعات الدولية وحتى فى إدارة ملف العلاقات البريطانية فى محيطها الأوروبى .
ما يهمنا فى التجربة البريطانية الأخيرة ونحن على أعتاب إنتخاب برلمان جديد خلال الشهور القادمة أن نتعرف عن قرب عن الآليه التى إتبعها البريطانيون من خلال سرد بعض الحقائق الهامة التى قد يستفيد منها صانعى القرار فى مصر أو حتى الناخبين أنفسهم.
فى البداية يجب أن نقرر أن العملية الإنتخابية فى بريطانيا تنافس فيها الأحزاب الكبرى فقط المحافظين بزعامة رئيس الوزراء ديفيد كاميرون والعماليين بزعامة إيد ميليباند على راس قائمة من 13 إلى 16 حزبا من بين عشرات الأحزاب الصغيرة والمهمشة التى لم يسمع عنها أحد ، وقد دارت الإنتخابات الأخيرة وسط اجواء كان من الصعب التكهن فيها بمن سيكون الفائز بأكبر عدد من المقاعد بينما كانت أفضل استطلاعات الراى تشير إلى حجم التقارب الشديد بين الحزبين التى يمكن أن يتمخض عنها حكومة ضعيفة ويدفع المملكة المتحدة نحو إجراء تصويت على عضوية الاتحاد الأوربي ويثير رغبة الاسكتلنديين في الانفصال، بالرغم من التفوق الواضح فى الأداء الإقتصادى الذى أبداه المحافظين بزعامة كاميرون التى حافظت من خلاله بريطانيا على مكانتها كخامس أكبر اقتصاد في العالم فى ظل العديد من الأزمات العالمية الطاحنة خلال السنوات الماضية.
يحق للناخبين البريطانيين البالغ عددهم 45 مليونا ورعايا الكومنولث وجمهورية إيرلندا المقيمين في بريطانيا ممن بلغوا الـ18 عاما والمدرجة أسماؤهم على اللوائح الانتخابية الإدلاء بأصواتهم لاختيار 650 نائبًا،وحدهم اللوردات والسجناء لا يمكنهم التصويت كما أن الملكة اليزابيث الثانية لا تستخدم حقها في التصويت لأن عليها التزام الحيادية، للوصول لمجلس العموم و لتحقيق الفوز يحتاج المرشحون ببساطة إلى كسب أصوات أكثر من باقي المرشحين، ولايعني ذلك كسب الأكثرية المطلقة في التصويت في دوائرهم.
بعكس كل التوقعات ونتائج إستطلاعات الرأى لأكبر المراكز المتخصصة فى بريطانيا وخارجها، نجح المحافظون بإقتدار فى المحافظة على الصدارة بفارق شاسع بينهم وبين العمال وبأغلبية تمكنهم من الإستحواذ على 50.8% من مقاعد البرلمان وهو الدرس الأول الذى يجب أن ننتبه إليه أن العامل الإقتصادى يلعب الدور الأهم فى نتائج الإنتخابات التشريعية، فالأوضاع المعيشية الداخلية الآمنه وبرامج الإصلاح المالى وجذب الإستثمارات كانت اسلحه المحافظين للحفاظ على أغلبيتهم فى الإنتخابات.
وبنظرة أكثر عمقا لنتائج هذه الإنتخابات التى كانت نسبة المشاركة فيها 66.1% ممن يحق لهم التصويت ، نكتشف أن هناك72% من نواب برلمان 2010 اعيد انتخابهم، بينما وصل عدد النواب الجدد 182 نائبا ونائبة بعد إستبعاد خمسة من الحزب الجمهوري الايرلندي لرفضهم اداء قسم الولاء للتاج مما يحرمهم دستوريا من الجلوس في قاعة مجلس العموم.
حصلت المرأة على 81 مقعدا بنسبه 45 % من النواب الجدد (منهن 35 عمالية، و27 محافظة، و19 من القوميات الاسكتلنديه بينهن اصغر عضو فى البرلمان وهي طالبة جامعية في العشرين من العمر؛ تنتمى للحزب القومي لامارة ويلز). من بين النواب الجدد ايضا سبعة من المسلمين والمسلمات ( ليس بينهن محجبة واحدة) بنسبة 4%، وهي نتيجه جيدة مقارنة بتعداد المسلمين فى المملكة المتحدة ( 3.3% من السكان). أما بالنسبة للبريطانيين من أصول وأعراق أخرى من الأفارقة والآسيويين فهناك (15 نائب ونائبة) من عرقيات غير بيضاء.
يشعر البريطانيون بالفخر لآنه لا توجد محاصصة أو قوائم للتمييز للنساء أو للأقليات الدينية أو العرقية وأن المنافسة حرة في انتخابات مباشرة كل حسب مهاراته فى اقناع الناخب فى دائرته ويتناسون الإنتقادات الموجهة لهذا النظام الإنتخابى بأنه ربما لا يأخذ بعين الاعتبار الأصوات التي تذهب لأحزاب الأقليات التي لا تستطيع أن تحصل على الأكثرية لدخول البرلمان، وأن الحكومة الوطنية لا تملك فعليا الأكثرية التي تؤيدها لذلك فإنه لا يمكنها القول بأنها تمثل غالبية الشعب البريطاني لأن الحزب الفائز حصل على تأييد اقل من نصف عدد الذين أدلوا باصواتهم فعليا فى الإنتخابات أكثر قليلا من 11 مليون صوت بنسبة 36.8% فقط.
تخصص الحكومة البريطانية ميزانية يتحملها دافعى الضرائب لتسيير أعمال البرلمان ودفع رواتب أعضاءه حتى للأحزاب المعارضة والصغيرة حيث يصل المرتب الأساسى السنوى لعضو مجلس العموم إلى 67,060 جنيها إسترلينيا ، بخلاف العديد من البدلات الأخرى ومصاريف نثرية، وآيباد، و كمبيوتر شخصى ، كما يصرف للنواب الجدد 1400 جنيه إسترلينى إعانة عاجلة فور وصولهم ، كذلك تكلفة إيجار شقة فى لندن للمقيمين خارجها لدوام حضور الجلسات ، وتكاليف لإنتقالات لداوائرهم التى تختلف من نائب لآخر طبقا لبعد المسافة، فهناك دوائر في اقصى شمال المملكة (النائب الاسكتلندي انغس ماكنيل مثلا تتكون دائرته من خمس عشر جزيرة في اقصى اطراف بحر الشمال يحتاج الى طائرة خاصة لرؤية ابناء الدائرة في عطلة نهاية كل اسبوع وتاجير الطائرة يضاف الى مصاريف التنقل والسفر اللازمة لادائه عمله البرلماني ). وتضاف هذه المصاريف الى اية سفريات اخرى يقوم بها للعمل البرلماني او لجان إستقصائيه أو مصاريف ادارة مكتبه في الدائرة او موظفيه في البرلمان.
وغني أن النائب يحصل على هذا الدخل ليتفرغ لخدمة ابناء دائرته، فقبل مائة عام لم يتقاضى النواب مرتبات لأن السياسة حكرا على ابناء الطبقات الثرية، لكن الاصلاحات الدستورية في نهاية القرن 19 خصصت المرتبات لهم حتى يتجنب النواب الوقوع فريسة لإغراءات الفساد او تلقي رشاوي او هدايا من جهات خارجية، وعليه يكون لزاما على النائب الإعلان تفصيليا على موقع البرلمان عن الدعوات مدفوعة الأجر الموجهة إليه للسفر لحضور مؤتمر فى الخارج اذا زادت قيمتها عن 600 جنيه استرليني وتنطبق القاعدة علي الصحفيين البرلمانين.
كما يضمن النظام البرلمانى الإنتخابى حقوقا عادلة للأحزاب الصغيرة التى أحرزت مقعدا أو مقعدين فى البرلمان بحصولهم على مبالغ دعم نقدية تتناسب مع حجم الأصوات الحاصلين عليها لتمكنهم من أداء دورهم البرلمانى .
أما مرتب رئيس الحكومة زعيم المحافظين دافيد كاميرون فهو 142,500 جنيه استرليني سنويا وهو اقل من مرتب مدير فرع بنك، وا قل من راتب المتحدث الصحفي باسم رئيس الحكومة هناك ، لان رئيس الحكومة لايحصل على بدلات، ولا يسمح له بتناول الغذاء في المطعم المخصص للموظفين بمجلس الوزراء ، فزوجته تجهز له طعام الغذاء من المنزل . الاستثناء اذا دعى رئيس وزاراء زائر في مهمة رسمية على الغذاء فى هذه الحالة فقط يتم إعداد الطعام له ولضيفه داخل مقر داوننج ستريت من ميزانية الحكومة.
وزراء حكومة الظل من المعارضة يتقاضون مرتبات مماثلة للوزراء وهناك ما يقرب من 777 الف جنيه إسترلينى مخصصات سنويه لزعيم المعارضة كرئيس لحكومة الظل، لادارة مكتبه وسكرتاريته البرلمانية، مع تخصيص قاعة اجتماعات بمائدة بيضاوية مماثلة للموجودة في 10 داوننج ستريت مخصصة لاجتماع مجلس وزراء حكومة الظل تجتمع إسبوعيا فى نفس موعد إنعقاد الحكومة كما تلتقى الملكة برئيس المعارضة بين وقت وآخر .
قد يتخطى المرتب الأساسى للعضو البرلمانى الحد الأدنى للأجور فى حالة تعيينه وزيرا أو وزير بحكومة الظل المعارضة نظرا لضرورة تواجدهم اليومى فى مكاتبهم في البرلمان بصفه شبه يوميه إلى جانب مكاتبهم بمقر الوزارة، وكلها تقع في منطقة جغرافيا واحدة حتى يسهل محاسبتهم ومساءلتهم أمام نواب الامة، وهناك تقاليد وقواعد ملكية لعقد الجلسات ( فلا يمكن لغير العضو المنتخب دخول القاعة اثناء عقد الجلسة التي يعلن افتتاحها بوضع الصولجان امام مكتب الرئيس، ورفع الصولجان يعني انتهاء الجلسة) . وكل الوزراء بما فيهم رئيس الحكومة شخصيا مطالب بأن يهرع الى البرلمان فى أول جلسة إنعقاد بعد توقيعه إتفاقية، أوعودته من مهمه فى الخارج ليقدم ملخصا أو بيان حكومى ، ثم يقدم نظيره من مقاعد المعارضة ملخصا ليكمله او يوضحه او يناقضه، ثم يتم فتح باب المناقشة والمساءلة والجدل وقد ينتهي بتصويت بقبول أو رفض اتفاق الوزير مع الجهة الخارجية.
هذه الموازنة الضخمة لواحدة من أعرق الديموقراطيات فى العالم يتحملها بالطبع دافعى الضرائب الذي يمول خزانة البرلمان، وهى الثمن الذى يدفعة البريطانيين إما صاغرين أو عن طيب خاطر للحزب الفائز وحكومته وأيضا للحزب الخاسر الذى يقوم بدور المعارضة وحكومة الظل التى يشكلها ، كما يوفر دعما ماليا للأحزاب الصغيرة فى المناطق النائية ،لإعتقادهم الراسخ بأن هذا هو النموذج الأمثل للديموقراطية الذى يوفر أعلى درجة من الشفافية والتجرد من الأهواء ، وقد شاهدت بنفسى أثناء تواجدى لحضور ندوات أو مناسبات خاصة بمجلس العموم البريطانى أو من خلال التليفزيون مدى الدقة، والإلتزام والحرفية العالية، والآلية المتقنه لإدارة الجلسات، وعملية التصويت، والدور الحيوى للمعارضة فى متابعة الأداء الحكومى، هناك العديد من الإيجابيات المبهرة التى تدار بها العملية السياسية برمتها فى بريطانيا ، ونحن لا نملك فى النهاية إلا أن نعلن إعجابنا بها ومحاوله الإستفاده من إيجابياتها والإقتراب من آليتها المتفردة.




