
د. محمد حسن شجاعي فرد يكتب
تمتد الجغرافيا الإسلامية عبر آسيا وأفريقيا، حاملةً في باطنها ثروات نفطية ومعدنية هائلة، وفوق أرضها مواقع استراتيجية تتحكم في طرق التجارة والطاقة والسياسة العالمية. وحتى الدول التي لا تملك ثروات طبيعية كبيرة، فإنها تحتل نقاطًا حساسة في معادلات النفوذ الدولي.
وفي قلب هذا المشهد تقف دول تمتلك عناصر القوة مجتمعة، وفي مقدمتها الجمهورية الإسلامية الإيرانية، التي تجمع بين الثروات الطبيعية، والموقع الجغرافي المحوري، والمساحة الواسعة، والكتلة السكانية المؤثرة.
منذ عهد الاستعمار البريطاني الكلاسيكي وحتى الهيمنة الأمريكية الحديثة، لم تتغير قاعدة الغرب في إدارة العالم كثيرًا:
فرّق… تُحكم.
فالدول القوية المستقلة تُقسَّم، وتُضعَف، وتُدار عبر أنظمة تابعة. وما دام الحكام يؤدون دور “البقرة الحلوب” لمراكز النفوذ، فإنهم يحظون بالحماية. أما حين تسعى الشعوب إلى الاستقلال الحقيقي، وتوجيه ثرواتها لخدمة أوطانها، فإن سيناريو الانقلابات والحروب والعقوبات يبدأ فورًا.
شهدت إيران هذا النموذج بوضوح حين أطاح الغرب بحكومة الدكتور محمد مصدق بعد تأميم النفط، لتعود الهيمنة الأجنبية لعقود. لكن زلزال عام 1979 غيّر المعادلة، حين فجّرت الثورة الإسلامية وعيًا جديدًا في العالم الإسلامي بأسره.
منذ اللحظة الأولى أدركت واشنطن أن الخطر الحقيقي ليس في السلاح، بل في القدوة. فتوالت محاولات التخريب الداخلي، والمؤامرات، ثم الحرب المفروضة لثماني سنوات بدعم غربي شامل. ورغم النزيف الهائل، خرجت إيران أكثر تماسكًا.
ما بعد الحرب كان أكثر إزعاجًا للغرب:
نهضة علمية وصناعية وعسكرية واقتصادية، وتقدّم عالمي في مجالات متعددة، حتى صارت إيران بحلول 2024 ضمن المراكز المتقدمة دوليًا في التكنولوجيا والصناعات الاستراتيجية.
نجاح نموذج إسلامي مستقل كان أمرًا لا يُطاق.
فبدأت موجات الفوضى المتكررة: اضطرابات، حرب إعلامية، عقوبات، تخريب داخلي… ثم محاولات الاغتيال والضربات العسكرية المباشرة. لكنها جميعًا فشلت.
حتى حين لجأ الخصوم إلى المواجهة العسكرية، صدمتهم قدرات الصواريخ المتطورة والطائرات المسيّرة منخفضة الكلفة عالية الفعالية، واضطروا إلى طلب وقف إطلاق النار بعد أيام من التصعيد.
وحين سقط الخيار العسكري، عادوا إلى سلاح الفوضى.
تحت غطاء الاحتجاجات الاقتصادية السلمية، اندلعت أعمال عنف منظمة في مئات المدن، راح ضحيتها آلاف المدنيين وعناصر الأمن، ودُمّرت المساجد والمدارس والبنى العامة، في محاولة لإغراق البلاد في الفوضى الشاملة.
غير أن الحشود الشعبية المليونية حسمت المعركة خلال أيام.
رسالة إلى نخبة العالم الإسلامي
الخلاصة واضحة:
لا تنخدعوا بشعارات
حقوق الإنسان، الديمقراطية، الحرية، والقانون الدولي.
انظروا إلى فلسطين، لبنان، ليبيا، سوريا، العراق، وفنزويلا.
واسألوا أنفسكم: أين كانت العدالة الدولية؟
إن استهداف إيران ليس غاية بحد ذاته، بل خطوة تمهيدية لإخضاع بقية العالم الإسلامي — من تركيا وأذربيجان إلى مصر وباكستان وإندونيسيا وماليزيا والمغرب والجزائر.
المعركة اليوم هي معركة وعي قبل أن تكون معركة سلاح.
فجر المقاومة
رغم كل المؤامرات، فإن تيار المقاومة في تصاعد:
حماس تحولت من مؤسسة اجتماعية إلى قوة مواجهة.
المقاومة اللبنانية صامدة رغم التضحيات.
وفي العراق أصبح أنصارها قوة سياسية مؤثرة.
أليس الصبح بقريب؟
* الكاتب:
الدكتور محمد حسن شجاعي فرد أستاذ متميز في الهندسة الميكانيكية بجامعة علم وصنعت الإيرانية، وعضو زميل أول في مؤسسة المهندسين الميكانيكيين البريطانية (IMechE – المملكة المتحدة). يُعد من أبرز الأكاديميين في مجاله، حيث ألّف نحو 30 كتابًا علميًا وهندسيًا وثقافيًا، ونشر ما يقارب 300 بحث علمي دولي في مجلات محكّمة مرموقة، وأسهم في تطوير مجالات الهندسة والتكنولوجيا على المستويين الإقليمي والدولي.



