رأىسلايدر

خواطر دبلوماسى | حين يتكلّم النص… ويُصغي العقل: بين قداسة الوحي وإنسانيّة الفهم

Listen to this article

بعضُ ما استخلصتُه من قراءاتٍ متأنّية لكبار المستنيرين من أساتذة علوم الدين والتديُّن، في محاولةٍ للفصل بين المقدّس والإنساني، وبين النصّ وفهمه، وبين الإيمان واستعمال العقل.

أولًا: القرآن والحُكم الشرعي

القرآن الكريم وحيٌ إلهيٌّ مُنزَّل على حضرة سيّدنا محمد ﷺ، بلّغه للناس بنصّه، فجاء خطابًا إلهيًّا لهداية الإنسان، وتحقيق مصالحه، وإعمار الأرض.
وهو النصّ المقدّس الثابت الوحيد الذي لا جدال حوله ولا نقاش في أصله.

أمّا الحُكم الشرعي، فهو ما ورد في النصوص القطعيّة الواضحة في القرآن الكريم، وهي نصوص قليلة محدودة، لا تحتمل التأويل أو الخلاف.

ثانيًا: الفقه والحُكم الفقهي

الفقه هو علمٌ إنسانيّ، قائم على تفسير وتأويل النصّ القرآني باجتهادٍ بشريّ.
والحُكم الفقهي ليس هو خطاب الله ذاته، بل فهم الفقيه لهذا الخطاب، واستنباطه للأحكام منه، وهو فهمٌ نسبيّ، اجتهاديّ، لا قداسة له بحال.

يبدأ الفقيه بالقرآن الكريم، ثمّ بالسنة الصحيحة، فإن لم يجد نصًّا صريحًا، لجأ إلى القياس، مستعينًا بالعقل وأدواته كـالاستحسان، مع التمييز بين العبادات والمعاملات، ومراعاة احتكاك الحكم الفقهي بالواقع المتغيّر.

ودور الفقيه أن يُعلن اجتهاده للناس، لا أن يفرضه عليهم، إذ من حقّ الناس أن يختاروا من الآراء ما يوافق أحوالهم وظروفهم. فالفقه بطبيعته متنوّع ومتجدّد، وقد تغيّر عبر العصور بتغيّر الحياة، مصداقًا لقوله تعالى:
﴿وقد خلقكم أطوارًا﴾ – نوح: 14.

وعلى امتداد التاريخ الإسلامي، ظهرت مئات التفاسير والمذاهب، تأثّرت بالبيئة، والزمن، والتكوين النفسي والثقافي للفقيه.
وقد عُرف عن الأئمة الكبار مراجعتهم لاجتهاداتهم؛
فـ**أبو حنيفة** رجع عن كثير من آرائه، وقال: «هذا رأيي، وهو أحسن ما رأيت، فمن جاء برأي خيرٍ منه قبلناه».
وكان لـ**الإمام الشافعي** مذهبان: عراقيّ ومصريّ، غيّر فيهما اجتهاده تبعًا لاختلاف مصالح الناس، وقال قولته الخالدة: «قولي صواب يحتمل الخطأ، وقول غيري خطأ يحتمل الصواب».
وقال سيّدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه: «إنّ القرآن حمّال أوجه».

وقد وضع الإمام الشافعي علم أصول الفقه، محدِّدًا قواعده الكبرى، مثل:
تقديم المصلحة العامة، اعتبار المقاصد، رفع المشقّة، منع الضرر، وربط الوسائل بالغايات.

وعلى مدى أكثر من أربعة عشر قرنًا، تراكم تراث فقهيّ ضخم هو نتاج عقول بشرية، لا قداسة لأصحابها مهما علا شأنهم.
وقد تعرّض دعاة التجديد في كل عصر للهجوم والاضطهاد، مثل ابن رشد، وفي العصر الحديث: علي عبد الرازق، و**طه حسين، وفرج فودة**.
بل إن ابن تيمية نفسه سُجن بسبب خلافات فقهية وسياسية.

ولهذا يرى بعض العلماء أن تجديد الفقه فرضُ عين.

ثالثًا: السنة النبوية والأحاديث

السنة المشرفة هي المصدر الثاني للتشريع، ويؤمن بها المسلمون ويحبّون رسول الله ﷺ وأهل بيته.
غير أنّ الجدل يدور حول صحة الأحاديث، لا حول إنكار السنة.

فتدوين الحديث تمّ بعد قرنين من وفاة الرسول ﷺ، وكان قد نهى عن تدوينه في حياته، كما أنّ الصراعات السياسية المبكرة أفرزت أحاديث موضوعة، ودخلت الإسرائيليات في بعض الروايات.

إنّ الدعوة إلى مراجعة الأحاديث وتنقيحها ليست طعنًا في السنة، ولا انتقاصًا من جهود العلماء، بل تأكيدٌ على أن ما جُمع هو جهد بشريّ، لا قداسة له في ذاته.

رابعًا: العقل والنقل

أمرنا الله بإعمال العقل، وجعل الإنسان مسؤولًا عن اختياره:
﴿ولعلّهم يتفكّرون﴾،
﴿قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون﴾،
﴿لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير﴾.

وقال النبي ﷺ: «استفتِ قلبك ولو أفتاك الناس».

العقل هو وسيلة المعرفة الأولى، وبه عرفنا الله، فلا يجوز تعطيله بعد ذلك.
وسيحاسب الله الإنسان على اختياراته هو، لا على اختيارات الفقهاء عنه.

مهمّة الفقيه البيان لا الإكراه، والتنوير لا الوصاية، مصداقًا لقوله تعالى:
﴿لا إكراه في الدين﴾،
﴿ادعُ إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة﴾.

وقد عبّر ابن الجوزي عن ذلك بقوله: «عرفنا الله بالعقل، فلا يجوز أن نوقفه بعد أن عرفناه به».

خامسًا: القانون

القانون هو الصيغة المدنيّة للحُكم الفقهي، يُصاغ من بين تعدّد الاجتهادات، وفق ما يتوافق عليه المجتمع، تحقيقًا لمصلحة أغلبيّته.
ووليّ الأمر مطالبٌ بمراعاة هذا التنوّع، والتوفيق بين المختلفين عند الانتقال من الفقه إلى القانون.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى