حين يُعاد رسم القرن الأفريقي خارج حضور أصحابه… قراءة في الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال وتوازنات النفوذ العربي والدولي

رئيس التحرير يكتب
لم يعُد خبر الإدانة حدثًا سياسيًا عابرًا؛ صار رد فعلٍ يُقاوِم عالَمًا يتحرك بسرعة أكبر من قدرة البيانات على اللحاق به. ومع إعلان إسرائيل الاعتراف الأحادي بما يسمى “جمهورية أرض الصومال” – غير المعترف بها دوليًا –، تردّدت موجة من المواقف الرافضة، كان أبرزها الموقف المصري الذي أكد رفضًا قاطعًا لأي إجراءات أحادية تمس سيادة الدول ووحدتها الترابية. غير أنّ السؤال الأهم ليس في مضمون الرفض، بل في لماذا أصبح تكرار الإدانة مستفزًا… ومريبًا؟
1️⃣ اعترافٌ يتجاوز حدود القانون… إلى هندسة سياسية غير مرئية
الخطوة الإسرائيلية ليست نزوة دبلوماسية.
إنّ الاعتراف الأحادي – رغم غياب إجماع دولي أو تفاوض مع مقديشو – يفتح الباب أمام سابقةٍ خطيرة: أن تُمنح الشرعية السياسية خارج المؤسسات الدولية، لأقاليم تعاني هشاشة سياسية مقابل امتيازات أمنية أو اقتصادية.
بهذا المعنى، إسرائيل لم تمنح “أرض الصومال” دولة… بل منحت نفسها موطئ قدم في قلب القرن الأفريقي، على شاطئٍ لا يبعد سوى بضع مئات من الكيلومترات عن أحد أهم طرق التجارة العالمية: باب المندب، حيث تمر نسبة معتبرة من تجارة الشرق الأوسط وإفريقيا وآسيا نحو العالم.
2️⃣ الصومال… دولة تُكافح لتبقى
وسط هذه العاصفة تظل الصومال – الدولة الأم – تكافح منذ ثلاثة عقود كي تُعيد بناء مؤسساتها المنهارة، وتصل بين مناطقها، وتستعيد ثقة المجتمع الدولي.
الدولة المركزية في مقديشو تُدرك أن لحظة الضعف تُغري القوى الطامعة بما يفوق قوة الرصاص، وأن تفتيت الجغرافيا يبدأ عادةً من تفتيت السردية الوطنية قبل الخرائط.
الإدانة المصرية هنا ليست دفاعًا عن الصومال وحدها؛ بل عن قاعدة وجودية للدول العربية والإفريقية:
إن سقوط مبدأ الدولة الواحدة يفتح الباب أمام عصرٍ تصبح فيه الهويات السياسية “مشاريعًا” قابلة للتنفيذ بتمويلٍ خارجي… لا بقرارٍ من الشعوب.
3️⃣ الإمارات: لاعب اقتصادي أم حامل مشروع نفوذ؟
لا يمكن تحليل المشهد دون قراءة الدور الإماراتي.
الإمارات موجودة في الإقليم منذ سنوات عبر موانئ واستثمارات واتفاقات أمنية – وبالأخص ميناء بربرة ومشاريع البنية اللوجستية التي تحوّل هذا الميناء إلى بوابة تجارية بديلة تربط إثيوبيا بالبحر دون المرور عبر الصومال الأم.
لكن السؤال ليس: هل الإمارات تدعم الانفصال؟
السؤال الحقيقي هو: هل الوجود الاقتصادي العربي في إفريقيا يعكس مشروعًا عربيًا أم مشاريع منفردة ذات أهداف سيادية–تجارية؟
غياب رؤية عربية موحّدة في القرن الأفريقي جعل كل دولة تتحرك وفق مصالحها الخاصة، فيتحول الخليج إلى لاعب اقتصادي متنافس، لا كتلة جيوسياسية قادرة على منع التمدد الإسرائيلي–التركي–الإيراني–الغربي في المنطقة.
4️⃣ تركيا وقطر وإثيوبيا… رقصة حول الجغرافيا
تركيا موجودة في الصومال منذ أكثر من عقد بمستشفياتها ومشاريعها وثكنة تدريب أكبر جيش صومالي جديد.
قطر تستثمر في دعم المؤسسات والمجتمع المدني.
إثيوبيا – الجارة الثقيلة – تسعى للحصول على منفذ بحري بأي ثمن، حتى ولو عبر صفقاتٍ مع الإقليم المنفصل أو عبر تفاهمات تحت الطاولة.
كل هذه التحركات تجري في وقتٍ تتراجع فيه اليد العربية الأفريقية التقليدية – مصر والسودان – بسبب انشغالات داخلية وإقليمية، ما خلق فراغًا سياسيًا “رطبًا” قابلاً للتشكل بلمسة أي لاعب قادر على الدفع نقدًا.
5️⃣ لماذا تصبح بيانات الإدانة “مستفزة”؟
لأنها لم تعد تغيّر شيئًا.
لأنها أصبحت تُشبه الوقوف أمام قطارٍ مسرع ورفع اليد لتحذيره… دون أي قدرة على إبطائه.
ما الذي كان سيحدث لو أن العالم العربي – بدلًا من الاكتفاء بالإدانة – امتلك:
- تحالفًا اقتصاديًا استثماريًا داخل القرن الأفريقي
- مبادرة عربية للتنمية الأمنية–الاقتصادية في الصومال
- صندوقًا عربيًا لأمن البحر الأحمر
- سياسة موحدة تجاه إفريقيا جنوب خط الاستواء
كل ذلك غائب. ولهذا يبدو المشهد غريبًا:
القوى الأخرى تتحرك لتصنع، والعرب يتحركون ليعارضوا.
6️⃣ خرائط النفوذ في إفريقيا تعود إلى الطابعة…
اليوم، تُطبع خرائط النفوذ العالمية على ورقٍ جديد، دون استشارة أصحاب الأرض.
القرن الأفريقي يتحول إلى لوحة تجارب جيوسياسية:
- إسرائيل تبحث عن منفذ بحري وتأثير استخباراتي
- إثيوبيا تبحث عن رئة بحرية
- الإمارات تبحث عن خطوط لوجستية وموانئ
- تركيا تبحث عن عمق اقتصادي–ديني
- القوى الغربية تبحث عن أمن ممرات التجارة
- والعرب… ما زالوا يصيغون بيانات.
7️⃣ ماذا يعني الاعتراف الإسرائيلي للعالم العربي؟
إنه جرس إنذار.
ليس بسبب الصومال فحسب، بل لأن سابقة الاعتراف الأحادي إذا مرت، فقد يكون الغد أكثر تعقيدًا في مناطق:
- الساحل والصحراء
- ليبيا
- السودان
- اليمن
- وربما داخل حدودٍ عربية حساسة لم تُستكمل فيها مشاريع الدولة الحديثة بعد.
8️⃣ مصر… صرخة الذاكرة السياسية
حين تقول مصر إن الاعتراف الإسرائيلي يقوّض السلم الدولي، فهي لا تقرأ فقط الورقة القانونية؛ بل التاريخ نفسه:
القاهرة شهدت بأم عينها كيف يتحول انفصال كيانٍ صغير إلى بوابة انهيار قارة بأكملها كما حدث في البلقان أو شرق أوروبا.
إن مصر – بثقلها الجيوسياسي – تعرف أن البحر الأحمر هو خط حياة للأمن القومي العربي، وأن أي قدمٍ أجنبية راسخة على ضفته الغربية هي تهديد طويل المدى حتى لو حملت شعارًا تجاريًا.
وخاتماً: من الإدانة إلى المبادرة
الإدانة السياسية هي الحد الأدنى.
لكن العالم الجديد لا يرحم الحد الأدنى.
لا بدّ أن تتحول المواقف العربية – إن أرادت البقاء لاعبًا لا متفرجًا – إلى:
- مشروع عربي في القرن الأفريقي
- تحالف استثماري–أمني مشترك
- دبلوماسية هجومية لا دفاعية
- ورؤية تجعل إفريقيا امتدادًا طبيعيًا… لا مساحة منافسة
فالمنطقة تقف اليوم أمام سؤالٍ وجودي:
هل يبقى العرب “مراقبين” بينما تعاد هندسة الجغرافيا؟
أم يعودون صانعين للخريطة… كما كانوا في لحظات التاريخ الأقوى؟



