رأىسلايدر

الاستقامة… تحرير من عبودية الهوى

Listen to this article

د. محمود ريحان مرجان ✍️

لم يكن الإنسان يومًا محاطًا بكل هذا القدر من الرفاهية والاتصال والمعرفة كما هو اليوم، ومع ذلك لم يكن قلقًا بهذا الشكل من قبل، ولم تكن روحه بهذا القدر من التمزق، ولم يكن عقله غارقًا في التشوش كما هو الآن؛ فالعصر الذي وعد الإنسان بالسعادة المطلقة انتهى إلى صناعة إنسان مرهق نفسيًا، متوتر داخليًا، يضحك كثيرًا لكنه لا يهدأ، يتحرك باستمرار لكنه لا يصل، يمتلك وسائل الترفيه كلها بينما يفقد القدرة على الاستمتاع بأي شيء، وكأن البشرية الحديثة نجحت في بناء عالم مريح للجسد إلى حد مذهل، لكنها فشلت في بناء إنسان مستقر من الداخل. وهنا تحديدًا تظهر عبقرية ذلك الحديث النبوي القصير الذي يبدو بسيطًا في ألفاظه بينما يحمل تشريحًا كاملًا لأزمة الإنسان عبر كل العصور، حين قال النبي ﷺ: «قل آمنت بالله ثم استقم».

فالمشكلة الحقيقية عند الإنسان ليست في نقص المعلومات، بل في فقدان الاتجاه؛ ليست في قلة الإمكانيات، بل في غياب المركز الذي تنتظم حوله الحياة. ولذلك فإن علم النفس الحديث، رغم تطوره الهائل، عاد ليكتشف شيئًا كان القرآن يقرره منذ قرون: الإنسان لا يستطيع العيش طويلًا وهو ممزق بين ما يؤمن به وما يفعله، بين ما يقوله وما يعيشه، بين صورته أمام الناس وحقيقته في الداخل؛ لأن هذا الانقسام الداخلي يخلق حالة تُعرف في علم النفس الحديث بـ “التنافر المعرفي”، وهي الحالة التي يشعر فيها الإنسان باختناق نفسي نتيجة اصطدام القيم بالسلوك. وحين تستمر هذه الحالة طويلًا، يبدأ العقل في استنزاف طاقته الهائلة فقط ليحافظ على توازنه الظاهري؛ ولهذا ترى إنسان العصر يهرب باستمرار؛ يهرب إلى الهاتف، إلى الضجيج، إلى العمل المفرط، إلى الاستهلاك، إلى العلاقات السريعة، إلى أي شيء يمنعه من الجلوس وحيدًا مع نفسه؛ لأن لحظة الصمت أصبحت مرعبة، فهي اللحظة التي يسمع فيها التشقق الداخلي بوضوح.

ومن هنا نفهم لماذا ربط القرآن دائمًا بين الإيمان والاستقامة؛ فالإيمان في التصور القرآني ليس فكرة عقلية معلقة في الذهن، بل قوة تعيد ترتيب الإنسان من الداخل، ولهذا لم يقل الله: إن الذين قالوا ربنا الله فقط، بل قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾؛ لأن الاستقامة هي اللحظة التي يتحول فيها الإيمان من مجرد اقتناع إلى بنية نفسية كاملة؛ تصبح فيها الروح متصالحة مع العقل، ويصبح السلوك ممتدًا طبيعيًا للقناعة، ويتوقف الإنسان عن تمثيل الأدوار المتعددة التي أنهكته طويلًا.

ولهذا فإن الإنسان المستقيم نفسيًا ليس إنسانًا بلا أخطاء، بل إنسان لم يعد يعيش منقسمًا على نفسه؛ يعرف من هو، وماذا يريد، وإلى أين يتجه. ولذلك فإن أكثر ما يقتل الإنسان المعاصر ليس التعب الجسدي، بل التشتت الوجودي؛ أن يستيقظ كل يوم دون معنى حقيقي، أن يتحرك كثيرًا دون غاية، أن يستهلك عمره في مطاردة أشياء لا تشبع روحه أصلًا، ولهذا ترتفع معدلات الاكتئاب والقلق والانهيار النفسي في المجتمعات الأكثر مادية؛ لأن الإنسان لا يعيش بالمتعة وحدها، بل بالمعنى، وحين يفقد المعنى يبدأ الانهيار مهما كانت ظروفه مريحة.

وعجيبٌ كيف أن القرآن أشار إلى هذا المعنى بدقة مذهلة حين قال: ﴿وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ﴾، فالتعبير القرآني هنا يكاد يرسم الحالة النفسية للإنسان الحديث؛ “السبل” الكثيرة التي تفرقه من الداخل، عشرات النسخ التي يحاول أن يكونها في وقت واحد، وعشرات الأصوات التي تشده في اتجاهات متناقضة، حتى يتحول الإنسان إلى ساحة صراع مستمر، بينما الاستقامة تعني ببساطة أن تعود النفس إلى وحدتها الأولى؛ أن تتوقف عن التبعثر.

ولهذا فإن أخطر ما فعله العالم الحديث بالإنسان أنه أقنعه أن الحرية تعني الانفلات الكامل، بينما الحقيقة النفسية تقول إن الإنسان لا يستطيع العيش دون إطار أخلاقي ومعنوي ثابت؛ لأن النفس البشرية بطبيعتها تحتاج إلى مركز تنتظم حوله، ولهذا نرى اليوم مفارقة مخيفة: كلما زادت الخيارات زاد القلق، وكلما زادت الحرية غير المنضبطة زاد الضياع، حتى أصبح الإنسان الحديث غارقًا فيما يسميه علماء النفس “إرهاق القرار”؛ لأن العقل الذي يعيش بلا معايير ثابتة يستهلك طاقته في كل تفصيلة، بينما الإنسان المستقيم يملك بوصلة داخلية تختصر عليه فوضى هائلة.

ولذلك لم تكن الاستقامة في القرآن مجرد التزام ديني ضيق، بل كانت حالة اتزان نفسي وروحي عميقة؛ ولهذا قال تعالى: ﴿فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾، وهي آية تُقرأ كثيرًا باعتبارها وعدًا أخرويًا فقط، بينما تحمل أيضًا بعدًا نفسيًا مذهلًا؛ فالإنسان المستقيم أقل تمزقًا بين الماضي والمستقبل، أقل خوفًا لأنه يعرف طريقه، وأقل حزنًا لأنه لا يعيش متناقضًا مع نفسه، ولهذا يشعر بنوع من السلام الداخلي حتى وسط العواصف.

إن الاستقامة بهذا المعنى ليست قيدًا على الإنسان كما يتصور البعض، بل هي عملية إنقاذ من الفوضى؛ ليست حرمانًا بل إعادة بناء، ليست قتلًا للرغبات بل تحريرًا للروح من عبودية الرغبات؛ لأن أخطر أنواع العبودية ليست عبودية السلاسل، بل عبودية الهوى، ولهذا قال الله: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ﴾، فالإنسان الذي يطيع نزواته بلا ضابط يظن نفسه حرًا بينما هو في الحقيقة يُساق من شهوة إلى أخرى ومن رغبة إلى أخرى دون أن يشعر، ولهذا يبدو العالم الحديث متخمًا بالملذات لكنه فقير في الطمأنينة.

ومن هنا نفهم السر العجيب في أن أكثر الناس راحة ليس أكثرهم مالًا ولا شهرة ولا نفوذًا، بل أكثرهم انسجامًا بين داخله وخارجه؛ الإنسان الذي لا يحتاج إلى ارتداء قناع جديد كل يوم، ولا إلى اختراع نسخة مختلفة من نفسه في كل مكان، ولا إلى خوض حرب يومية لإخفاء حقيقته، فالاستقامة تمنح الإنسان نعمة نادرة جدًا في هذا العصر: أن يعيش موحدًا من الداخل.

ولهذا كانت أعظم أزمة يعيشها الإنسان المعاصر أنه فقد الصراط المستقيم دون أن يشعر؛ لم يعد يعرف ما الذي يجب أن يثبت عليه أصلًا، فأصبح كل شيء قابلًا للتفاوض: القيم، والمبادئ، والهوية، وحتى الحقيقة نفسها، وهنا يبدأ الانهيار البطيء للروح؛ لأن الإنسان حين يفقد الثوابت لا يتحول إلى كائن حر كما يتوهم، بل إلى كائن هش يسهل تشكيله بأي موجة عابرة.

وربما لهذا السبب بالذات نردد في كل صلاة: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾؛ لأن القضية ليست مجرد معرفة الطريق، بل القدرة على البقاء عليه وسط هذا الطوفان الهائل من الإغراءات والتشويش والتزييف؛ فالاستقامة ليست لحظة عاطفية عابرة، بل مقاومة يومية هادئة ضد التبعثر الداخلي، وضد التحلل البطيء للروح، وضد عالم يحاول كل يوم أن يقنع الإنسان بأنه يستطيع النجاة بلا معنى، وبلا قيم، وبلا وجهة.

لكن الحقيقة التي يهرب منها العالم الحديث كله هي أن الإنسان لا يُشفى بالهروب من الله… بل بالعودة إليه، وأن الروح لا تستقيم إلا إذا عرفت مركزها الحقيقي، وأن القلب مهما طاف في الأرض سيظل قلقًا حتى يجد الاتجاه الذي خُلق له؛ ولهذا بقيت كلمات النبي ﷺ واحدة من أعظم العلاجات النفسية والروحية في التاريخ كله، لأنها لا تمنح الإنسان مجرد طقوس، بل تعيد بناءه من جذوره: «قل آمنت بالله… ثم استقم».

اترك تعليقاً

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى