مضيق الأخلاق… حين تتقدّم إيران بخطوة ويتراجع الآخرون

رئيس التحرير يكتب
في لحظة إقليمية شديدة التعقيد، حيث تتقاطع المصالح وتتصادم الإرادات، تبرز أحيانًا مواقف لا تُقرأ فقط بلغة السياسة، بل بلغة الأخلاق. وهنا تتجلى مفارقة لافتة تستحق التأمل:
بينما تتصاعد نبرة التهديد والتصعيد من جانب الولايات المتحدة وإسرائيل، تقدم إيران نموذجًا مختلفًا—أقل ضجيجًا، وأكثر دلالة.
إيران ورسالة العبور الهادئ
في خضم التوترات، سمحت إيران بمرور نحو عشر سفن مرتبطة بالولايات المتحدة وتحمل العلم الباكستاني عبر مضيق هرمز—ذلك الشريان الحيوي الذي يمثل أحد أهم مفاتيح أمن الطاقة العالمي.
هذا القرار، في توقيته ودلالته، لم يكن تفصيلاً عابرًا.
بل رسالة واضحة مفادها أن طهران، رغم الضغوط، لا تزال تميّز بين الصراع وإدارة المسؤولية الدولية.
الأهم من ذلك، أن هذا السلوك جاء في ظل جهود وساطة تقودها دول محورية مثل مصر، السعودية، باكستان، وتركيا—دول تحاول أن تُبقي باب الحوار مفتوحًا في زمن يغلق فيه كثيرون أبواب العقل.
بين أخلاقيات التهدئة ومنطق التصعيد
في المقابل، لا يمكن تجاهل التصعيد المستمر من جانب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والرئيس الأمريكي دونالد ترامب، سواء عبر التهديدات المباشرة أو التحركات العسكرية الجوية والبحرية.
بل إن الحديث عن سيناريوهات استهداف جزر إيرانية أو توسيع نطاق العمليات يعكس منطقًا لا يرى في التفاوض سوى مرحلة تكتيكية، لا مسارًا استراتيجيًا.
وهنا تبرز المفارقة:
- إيران تسمح بالمرور الآمن في أهم ممر مائي عالمي
- بينما الطرف الآخر يلوّح بالقوة ويعيد إنتاج لغة الهيمنة
أيّ الطرفين إذن يرسل إشارات الاستقرار؟
وأيّهما يغذي احتمالات الانفجار؟
وساطة تحت الاختبار
الدول الوسيطة—وفي مقدمتها القاهرة والرياض وإسلام آباد وأنقرة—تجد نفسها أمام اختبار حقيقي.
فنجاح أي وساطة لا يعتمد فقط على النوايا، بل على احترام الأطراف لمسار التفاوض ذاته.
لكن حين تتكرر الضربات، كما حدث في يونيو 2025، وحين تُقابل المبادرات الدبلوماسية بخطاب تصعيدي، فإن الشكوك تصبح مشروعة:
هل هناك بالفعل إرادة للحل؟
أم أن التفاوض مجرد غطاء لتحركات أخرى؟
الأخلاق كقوة ناعمة
في العلاقات الدولية، كثيرًا ما تُختزل القوة في السلاح والاقتصاد.
لكن ما حدث في مضيق هرمز يذكّرنا بأن الأخلاق أيضًا قوة—وربما الأكثر تأثيرًا على المدى الطويل.
حين تختار دولة ضبط النفس في لحظة توتر، فهي لا تُظهر ضعفًا، بل ثقة في قدرتها على إدارة الصراع دون الانزلاق إلى الفوضى.
الخلاصة: مفترق طرق بين الحكمة والغرور
المشهد اليوم لا يتعلق فقط بإيران أو الولايات المتحدة أو إسرائيل، بل بمستقبل الإقليم بأكمله.
- إما أن تنتصر لغة التهدئة والمسؤولية
- أو يهيمن منطق الغرور والتصعيد
وفي هذا السياق، تبدو الرسالة الإيرانية—مهما اختلفت حولها التقييمات—واضحة:
يمكن إدارة الصراع دون كسر قواعد الأخلاق الدولية.
أما الطرف الآخر، فالسؤال لا يزال مفتوحًا:
هل يدرك أن القوة الحقيقية ليست في إشعال الحروب…
بل في القدرة على تجنبها؟



