رئيس التحريرسلايدر

حين يسأل الذكاءُ… وتُجيب القيم

قراءة تحليلية في جدل التقنية والشرع

Listen to this article

أشرف أبو عريف يكتب

في مقاله المعنون «الذكاء الاصطناعي بين التطور التقني والمسؤولية الشرعية – رؤية إسلامية معاصرة»، يقدّم نورالدين خليق نزاروف معالجة فكرية متزنة لأحد أكثر الأسئلة إلحاحًا في زمن التحولات الرقمية المتسارعة: كيف يمكن للتقدم التقني أن يتقدّم دون أن ينفصل عن المسؤولية الأخلاقية والشرعية؟

ينطلق الكاتب من رؤية تؤكد أن الذكاء الاصطناعي ليس كيانًا مستقلًا أو قوة منفلتة عن الإنسان، بل هو نتاج العقل البشري الذي أُوتي القدرة على الابتكار والاكتشاف. ومن هذا المنطلق، يندرج التطور التقني في إطار سنن التسخير والاستخلاف، لا في دائرة التصادم مع القيم الدينية، وهو ما يمنح المقال أساسًا معرفيًا راسخًا منذ بدايته.

غير أن قيمة المقال الحقيقية لا تكمن في الاحتفاء بالتقنية بقدر ما تظهر في إخضاعها لميزان الضبط الأخلاقي. فالكاتب لا يقع في فخ الانبهار الأعمى، بل يتوقف عند المخاطر المحتملة حين تُدار الخوارزميات بلا ضوابط، خاصة في المجالات التي تمس الوعي الديني والضمير الجمعي، وفي مقدمتها الفتوى والشأن الشرعي.

ويبرز هذا الوعي بجلاء في موقفه الحاسم من الإفتاء، إذ يؤكد أن الذكاء الاصطناعي لا يمكن أن يكون مفتيًا، مهما بلغت قدرته على التحليل والمعالجة. فالفتوى ليست مجرد استدعاء نصوص أو ترتيب معلومات، بل ممارسة إنسانية مركّبة تتأثر بالزمان والمكان والأحوال الاجتماعية والاقتصادية، وتتطلب تحمّل المسؤولية الشرعية، وهو ما لا يتوافر في الأنظمة التقنية.

وفي المقابل، لا يُقصي الكاتب الذكاء الاصطناعي من المجال الديني، بل يعيد تعريف دوره بوصفه أداة مساعدة لا بديلًا: أداة تنظّم المعرفة الشرعية، وتُيسّر الوصول إلى التراث، وتدعم المفتي دون أن تنتزع منه سلطة الاجتهاد أو تُحمّله عبء القرار. وهنا تتجلى مقاربة وسطية تُحرّر النقاش من ثنائية القبول المطلق أو الرفض المطلق.

ويحسب للمقال انتقاله من التنظير إلى الواقع العملي، عبر الإشارة إلى تجارب مؤسسية تُظهر كيف يمكن توظيف الذكاء الاصطناعي في خدمة المجتمع؛ من تنظيم الفتاوى وبناء قواعد بيانات دقيقة، إلى تعزيز الشفافية والحد من الفساد، وحماية الإنسان في البيئات الخطرة، ونشر المعرفة الدينية بأساليب معاصرة. وهي أمثلة تؤكد أن الإشكالية لا تكمن في التقنية ذاتها، بل في منظومة القيم التي توجه استخدامها.

في المحصلة، يقدّم نورالدين خليق نزاروف طرحًا ناضجًا يعيد ترتيب العلاقة بين الإنسان والآلة، وبين الحداثة والمرجعية الدينية، مؤكدًا أن الذكاء الاصطناعي—متى خضع للضوابط الشرعية والأخلاقية—يمكن أن يتحول من مصدر قلق إلى رافعة حضارية تخدم الإنسان وتُعزّز استقراره.

وتستمد هذه الرؤية عمقها من الخلفية العلمية والشرعية للكاتب نورالدين خليق نزاروف، الذي ينتمي إلى مدرسة فكرية معاصرة تسعى إلى مواءمة أصالة المرجعية الإسلامية مع تسارع التحولات التقنية، بما يحفظ القيم ويصون المسؤولية الإنسانية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى