بين منطق الصفقة وفن الدولة: لماذا تتعثر مفاوضات واشنطن وطهران؟

رئيس التحرير يكتب
في مشهدٍ دوليٍّ بالغ التعقيد، تتقاطع فيه المصالح مع الطموحات، تبدو المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران وكأنها تسير على حافة التناقض لا التفاهم. فبين عقلية الصفقة السريعة التي يمثلها بعض صُنّاع القرار في واشنطن، والدبلوماسية التراكمية طويلة النفس التي تتبناها طهران، تتشكل فجوة يصعب ردمها بسهولة.
من الجانب الأمريكي، تبرز شخصيات مثل ستيف ويدكوف وجارد كوشنر، ممن تشكّلت خبراتهم في عالم الأعمال والعقارات، حيث الصفقات تُقاس بنتائجها السريعة لا بتداعياتها بعيدة المدى. هذه المقاربة، التي نجحت جزئيًا في تجارب مثل اتفاقيات أبراهام، تعتمد على الاختراق التكتيكي أكثر من بناء منظومة استقرار شاملة.
في المقابل، تعتمد إيران على مدرسة تفاوضية متجذرة في مفهوم “الصبر الاستراتيجي”، كما يتجلى في شخصيات دبلوماسية مثل عباس عراقجي، حيث لا تُقاس النتائج بالسرعة، بل بمدى إعادة تشكيل ميزان القوى تدريجيًا. وقد انعكس هذا النهج بوضوح في الاتفاق النووي الإيراني 2015، الذي لم يكن وليد لحظة، بل حصيلة سنوات من التفاوض المركب.
في هذا السياق، يبرز دور بنيامين نتنياهو كعامل ضغط إقليمي لا يمكن تجاهله، خاصة في ظل تقاطعاته السياسية مع توجهات دونالد ترامب. غير أن اختزال المشهد في “إملاءات مباشرة” قد يُغفل حقيقة أكثر تعقيدًا، وهي أن تضارب المصالح داخل المنظومة الدولية نفسها يلعب دورًا لا يقل تأثيرًا عن أي ضغط خارجي.
أما الحديث عن “الهدن”، سواء بين إيران والولايات المتحدة أو في جبهات أخرى كلبنان، فيكشف عن طبيعتها الحقيقية بوصفها أدوات لإدارة الصراع لا لإنهائه. فالتوتر بين إسرائيل وحزب الله يوضح أن الهدوء الظاهري لا ينفي استمرار العمليات المحدودة وإعادة التموضع العسكري.
وعلى صعيد الوساطة، يثار جدل حول جدوى أدوار دول مثل باكستان أو سلطنة عمان. غير أن التجربة الدبلوماسية تثبت أن نجاح الوسيط لا يرتبط بحجمه العسكري بقدر ما يرتبط بقدرته على بناء الثقة والحفاظ على قنوات الاتصال. فقد لعبت سلطنة عمان، على سبيل المثال، دورًا محوريًا في تهيئة الأرضية للاتفاق النووي، رغم أنها ليست قوة عظمى.
خلاصة المشهد أن الأزمة لا تكمن فقط في النوايا، بل في اختلاف فلسفات التفاوض ذاتها. فبين من يسعى إلى إنجاز سريع ومن يعمل على تحولات بعيدة المدى، تصبح المفاوضات عملية معقدة، تتقدم ببطء، وتتراجع أحيانًا، دون أن تصل بالضرورة إلى نقطة الحسم.



