خواطر دبلوماسى | إلى الله بقلب سليم.. من فطرة الإيمان إلى شيطنة العالم الإسلامي!
لقد تعلمنا العبادة والأخلاق الكريمة منذ نعومة أظفارنا، من والدينا ومن بيئتنا التي أحاطت بنا، قبل أن نعرف الحروف أو نقرأ الكتب. نشأنا على الخير والفطرة، ورُبّينا على عادات وتقاليد عطرة سبقت معرفتنا بعلوم الدين وتفاصيلها التي صاغها البشر عبر قرون طويلة، وهي ليست مقدسة في جوهرها، بل محاولات بشرية لفهم النص الإلهي الواحد: القرآن الكريم.
فلا إجماع ثابت في تاريخ ما يُسمّى بالعلوم الدينية، بل هو متبدل بتبدّل الزمان والأحوال. وقد بيّن ابن رشد ذلك في كتابه بداية المجتهد ونهاية المقتصد، حيث سجّل تعدد الآراء والتأويلات في فهم النصوص والسنن.
إن الفطرة الإنسانية التي أودعها الله فينا، كفيلة بأن تقودنا إلى الخير، فالإيمان الصادق لا يحتاج كثرة الجدل ولا تعقيدات المذاهب والفرق. يكفيني أن أعبد الله بعقل مستنير وقلب سليم، وأن أكون على خُلق رفيع وأعمل صالحًا.
وكما قال شمس الدين التبريزي، وردد بعده مولانا جلال الدين الرومي: ليس المهم شكل الطقوس، بل أن تصل بقلبك إلى الله.
وقد قال تعالى: ﴿يومَ لا ينفع مالٌ ولا بنون إلا من أتى الله بقلبٍ سليم﴾.
لصالح من تُشيطن صورة العالم الإسلامي؟
لكن بينما يفتش الإنسان المسلم عن معنى العبادة الصافية والإيمان بالفطرة، تتعرض صورة الإسلام نفسه لحملة تشويه ممنهجة منذ عقود طويلة. فما إن تذكر كلمة “الإسلام” في وسائل الإعلام الغربية، إلا وارتبطت بالإرهاب، العنف، والتطرف. وهنا يطرح السؤال نفسه: لصالح من؟ ومن وراء هذه الشيطنة؟
- المصالح السياسية والاستعمارية:
منذ سقوط الخلافة العثمانية وحتى اليوم، سعت القوى الكبرى إلى تفكيك وحدة العالم الإسلامي وتشويه حضارته. تصوير الإسلام كخطر عالمي يعطي الذريعة للتدخل العسكري والسياسي، كما حدث في غزو العراق وأفغانستان، وما تلاه من تدخلات في ليبيا وسوريا. - الاقتصاد وصناعة السلاح:
كلما صُوِّر المسلم كـ “خطر”، زاد الإنفاق العسكري، وانتعشت شركات السلاح. الإعلام يزرع الخوف في وعي الشعوب، فتبرر حكوماتها مليارات الدولارات في صفقات السلاح والحروب التي تدور رحاها غالبًا في بلاد المسلمين. - الهيمنة الثقافية والفكرية:
تقديم صورة الإسلام كدين “تخلف” في مواجهة “الحداثة الغربية” هو وسيلة لترسيخ الاستعلاء الحضاري، وتبرير فرض النموذج الغربي كخيار وحيد للعالم. في المقابل، تُهمل إسهامات المسلمين في الفلسفة والطب والفلك والرياضيات والفنون، رغم أنها أسست لنهضة أوروبا نفسها. - التوظيف الداخلي:
لا تقتصر الشيطنة على الخارج فقط، بل تُستعمل أيضًا داخل العالم الإسلامي نفسه. فبعض الأنظمة توظف الخطاب المتشدد أو المكفر، لتبرير قمعها ومعاركها السياسية، فيُستخدم الدين أحيانًا كسلاح ضد الخصوم لا كجسر إلى الله.
بين الإيمان الصافي والشيطنة المصنوعة
إن أخطر ما في هذه الشيطنة أنها تُعتم على حقيقة الإسلام: دين الرحمة، والعدل، والكرامة الإنسانية. فإذا عاد المسلم إلى قلبه السليم وفطرته، فلن تهزه هذه الصور المشوهة، لأنه يدرك أن قيمه الأعمق هي العدل، الرحمة، والإحسان.
المطلوب اليوم ليس الغرق في تفاصيل الجدل المذهبي أو الارتهان لخطاب العداء، بل أن نعيد تقديم الإسلام للعالم عبر القيم الإنسانية الكونية: الرحمة، الأخلاق، الفطرة السليمة. فذلك وحده كفيل بإبطال كل محاولات التشويه، وإعادة الإسلام إلى مكانه الطبيعي كقوة روحية وأخلاقية في عالم مضطرب.



