رأىسلايدر

رحل مدرب غير مأسوفٍ عليه

Listen to this article

بقلم: د. محمود ريحان

ليس كل من يضع اسمه على بطولة يُكتب في ذاكرة الجماهير صانعًا للمجد، وليس كل رقم يُضاف إلى سجل نادٍ عريق يعني أن التجربة كانت ناجحة بالمعنى الحقيقي الذي يفهمه المشجع الذي عاش كرة القدم قلبًا وقالبًا لعقود طويلة. فهناك فرق بين من يدير فريقًا، ومن يصنع له روحًا وهويةً وشخصيةً تبقى حتى بعد رحيله.

وهنا تبدأ الحكاية التي أراها عن فترة آرني سلوت مع ليفربول، من وجهة نظر مشجع لم يعرف هذا النادي إلا فريقًا كبيرًا له هيبته وملامحه الخاصة التي لا تتغير مهما تبدلت الأسماء. لقد جاء الرجل إلى فريق لم يكن بحاجة إلى إعادة اختراع نفسه بقدر ما كان بحاجة إلى الحفاظ على الحالة الذهنية والهوية التي بُنيت عبر سنوات طويلة تحت قيادة يورغن كلوب؛ فريق يعرف كيف يضغط، وكيف يقاتل، وكيف يعود من المستحيل، وكيف يفرض شخصيته على أي ملعب في العالم.

لكن مع مرور الوقت، لم أشعر أن هذه الملامح استمرت بالقوة أو الوضوح نفسيهما، بل بدأت شيئًا فشيئًا تتآكل تلك الحالة التي كانت تجعل ليفربول مختلفًا عن غيره. وسيأتي من يقول إن لقب الدوري قد تحقق، وإن الأرقام تؤكد نجاح الموسم، لكن كرة القدم بالنسبة لي ليست أرقامًا فقط؛ لأن الأرقام قد تخفي وراءها الكثير، وقد تضخم صورة لا تعكس الواقع الكامل على أرض الملعب.

وفي قلب ذلك الموسم، كان هناك لاعب استثنائي مثل محمد صلاح يقدم مستويات فردية هائلة، جعلته محورًا رئيسيًا في النتائج والأهداف والصناعة والتأثير، لدرجة أن كثيرًا من المتابعين كانوا يشعرون بأن الفريق يعتمد عليه بصورة غير مسبوقة. ومع ذلك، ظل الغطاء الرقمي يحجب أسئلة أعمق تتعلق بشكل الفريق وهويته وآليات تطوره.

ثم جاء الموسم التالي ليكشف ما كان مخفيًا خلف النتائج. فبدلًا من رؤية فريق أكثر استقرارًا أو أكثر وضوحًا في شخصيته، ظهرت حالة من التذبذب والارتباك وفقدان السيطرة في العديد من اللحظات. وأصبح الجمهور يدخل المباريات وهو يحمل قلقًا لم يكن معتادًا عليه في سنوات سابقة؛ ليس خوفًا من الخسارة في مباراة بعينها، بل خوفًا من غياب الإحساس بأن هذا الفريق ما زال يملك الروح التي اعتاد عليها.

وهنا تصبح المشكلة ليست في الفوز أو الخسارة فقط، بل في الشعور العام الذي يتركه الفريق لدى جماهيره. فالأندية الكبرى لا تُقاس فقط بما تحققه من بطولات، بل بما تتركه في وعي جماهيرها من ثقة وهوية وإحساس دائم بالقوة. وعندما يبدأ هذا الإحساس في التراجع، تصبح كل بطولة، مهما كانت كبيرة، أقل تأثيرًا في الحكم العام على التجربة.

ومن وجهة نظري كمشجع قديم لليفربول، فإن الفريق الذي كان يدخل أي مباراة وهو مرشح دائمًا للفوز، ويزرع الخوف في قلوب خصومه، لم أعد أراه يمتلك الإحساس نفسه بالثبات أو الهيبة بالقوة ذاتها. ولهذا فإن رحيل سلوت، بالنسبة لي، لا يحمل شعور الأسف؛ ليس لأن الفوز بالدوري أمر بسيط، ولكن لأن ما تبعه من تراجع في الإحساس بالهوية كان أثقل من أي بطولة.

وفي النهاية، تبقى الحقيقة التي لا تتغير في كرة القدم: أن الجماهير قد تختلف حول الأرقام والتحليلات، لكنها لا تختلف على شعور واحد، وهو أن الفريق الكبير يُعرف بهويته قبل نتائجه. وعندما تهتز هذه الهوية، يصبح كل شيء آخر قابلًا للنقاش.

أما أنا، فحين أعود بذاكرتي إلى هذه الفترة، لن أتذكر لقبًا بقدر ما سأتذكر فريقًا كان يُخشى منه، ثم أصبح يُخشى عليه.

اترك تعليقاً

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى