الصين ومصر بعد سبعين عامًا: شراكة تعرف كيف تتجدّد

بقلم: أ. د. ليو شين لو
نائب رئيس جامعة الدراسات الأجنبية – بكين
في 30 مايو 2026، تحل الذكرى السبعون لإقامة العلاقات الدبلوماسية بين الصين ومصر. وليست سبعة عقود مجرد رقم في سجل العلاقات بين بلدين؛ فهي تختصر مسارًا طويلًا انتقلت فيه العلاقة من الاعتراف السياسي إلى الثقة الاستراتيجية، ومن الصداقة التقليدية إلى التعاون التنموي، ثم إلى تنسيق أوسع في إطار الجنوب العالمي.
أولًا: من الاعتراف السياسي إلى بناء الثقة
في خمسينيات القرن العشرين، كانت آسيا وأفريقيا تعيشان لحظة نهوض كبيرة. فقد خرجت دول كثيرة من الاستعمار، أو كانت تمضي في طريقها إلى التحرر، وجاء مؤتمر باندونغ عام 1955 ليقرّب بين هذه الدول على أرضية مشتركة، قوامها مناهضة الاستعمار والهيمنة، والتمسك بالاستقلال الوطني وحق الشعوب في اختيار طريقها.
في ذلك المؤتمر، التقى رئيس مجلس الدولة الصيني الراحل تشو إن لاي بالرئيس جمال عبد الناصر. ولم يكن اللقاء حدثًا بروتوكوليًا عابرًا، بل فتح باب التعارف السياسي بين الصين ومصر. وبعده، وقّع البلدان اتفاقًا تجاريًا، وقررا تبادل إقامة مكاتب تمثيل تجاري رسمية، بما مهّد الطريق لإقامة العلاقات الدبلوماسية. وفي 30 مايو 1956، أقامت الصين ومصر علاقاتهما الدبلوماسية رسميًا، لتصبح مصر أول دولة عربية وأفريقية تقيم علاقات دبلوماسية مع الصين الجديدة.
وجاءت أزمة قناة السويس في العام نفسه لتمنح هذه العلاقة الناشئة اختبارًا مبكرًا. فعندما أعلن الرئيس عبد الناصر استعادة السيادة المصرية على القناة، وقفت الحكومة الصينية والشعب الصيني إلى جانب مصر في دفاعها عن سيادتها وكرامتها الوطنية. ولم يقتصر الموقف الصيني على التأييد السياسي، بل اتخذ أيضًا أشكالًا عملية، منها استيراد القطن المصري وتصدير الصلب إلى مصر.
ومع أن العقود التالية شهدت تحولات دولية وتقلبات إقليمية كثيرة، فإن الأساس السياسي للعلاقات الصينية المصرية ظل ثابتًا. ففي عام 1971، دعمت مصر استعادة جمهورية الصين الشعبية مقعدها الشرعي في الأمم المتحدة. وخلال ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، واصلت الصين الوقوف إلى جانب مصر في الدفاع عن سيادتها الوطنية والتعامل مع قضايا المنطقة. ومن هنا، يمكن القول إن السنوات الأولى للعلاقات بين البلدين كانت ذات طابع سياسي واضح؛ فقد عبّرت عن تفاهم ودعم متبادلين بين الصين الجديدة والعالم العربي وأفريقيا وسائر الدول النامية.
ثانيًا: من التجارة والمشروعات إلى التنمية المشتركة
لم تبقَ العلاقات الصينية المصرية عند حدود السياسة. فمع مرور الوقت، أخذ التعاون الاقتصادي والتجاري يخرج تدريجيًا من دائرة الرمزية إلى دائرة المصالح اليومية والمشروعات الملموسة. في البداية، كان التعاون يحمل قدرًا واضحًا من الدعم السياسي والتساند الاستراتيجي، غير أنه منذ أواخر سبعينيات القرن العشرين، ومع انطلاق سياسة الإصلاح والانفتاح في الصين، بدأ الجانب الاقتصادي والتجاري في العلاقة يظهر بصورة أوضح. فاتسعت التجارة بين البلدين، ودخلت الشركات الصينية السوق المصرية عبر التجارة والمقاولات.
وبحلول عام 1988، بلغ حجم التبادل التجاري بين الصين ومصر 165 مليون دولار أمريكي، وأصبحت مصر شريكًا تجاريًا مهمًا للصين في الشرق الأوسط. كما مثّل مركز القاهرة الدولي للمؤتمرات، الذي شُيّد بمساعدة صينية، أحد الرموز المبكرة للتعاون الاقتصادي والتقني بين الجانبين. وبحلول عام 1998، بلغ حجم التجارة الثنائية 607 ملايين دولار أمريكي، وتجاوز عدد عقود المقاولات وخدمات العمالة التي نفذتها الشركات الصينية في مصر 150 عقدًا.
وفي عام 1999، أقام البلدان علاقات تعاون استراتيجية موجهة إلى القرن الحادي والعشرين. ومنذ ذلك الحين، لم يعد التعاون يتحرك بالزخم التقليدي وحده، بل دخل مرحلة أكثر تنظيمًا واتساعًا. وكانت منطقة التعاون الاقتصادي والتجاري الصينية–المصرية «تيدا» بالسويس، التي انطلقت عام 2008، علامة مهمة على انتقال التعاون من تجارة السلع إلى بناء المناطق الصناعية، ومن التبادل التجاري إلى التعاون في القدرات الإنتاجية.
ومع طرح مبادرة الحزام والطريق عام 2013، ازداد التقارب بين أولويات التنمية الصينية ورؤية مصر 2030، ودخل التعاون بين البلدين مرحلة أكثر اتساعًا وعمقًا. وفي هذا الإطار، ظهرت مجموعة من المشروعات البارزة، من بينها منطقة الأعمال المركزية في العاصمة الإدارية الجديدة، ومشروع القطار الكهربائي الخفيف الذي يربط القاهرة بالعاصمة الإدارية الجديدة ومدينة العاشر من رمضان. ولا تكمن أهمية هذه المشروعات في حجمها الإنشائي فحسب، بل في صلتها المباشرة باحتياجات مصر في التوسع العمراني، وتحسين شبكة النقل، وتعزيز موقعها كمركز إقليمي.
كما أصبحت هذه المشروعات منصة مهمة للشركات الصينية للمشاركة في جهود مصر الرامية إلى دفع التحديث وتحقيق التنمية المستدامة. وفي السنوات الأخيرة، بدأ التعاون بين الجانبين يتجاوز البنية التحتية التقليدية إلى مجالات أوسع، مثل الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، والمدن الذكية، والتجارة الإلكترونية، والتنمية الخضراء، والصناعات عالية التكنولوجيا، والطاقة الجديدة والمتجددة، والتصنيع المشترك.
وهنا تظهر ملامح مرحلة مختلفة؛ فالتعاون لم يعد يقوم فقط على إنجاز مشروع بعينه، بل بات يهتم أكثر بالتوطين، وبناء القدرات الصناعية، وخلق قيمة طويلة الأمد. وبذلك اتسع معنى التنمية المشتركة بين الصين ومصر ليشمل مساحات أرحب من التنسيق الصناعي والنمو المشترك.
ثالثًا: من الشراكة الثنائية إلى الجنوب العالمي
عند عتبة الذكرى السبعين، تبدو العلاقات الصينية المصرية أوسع من إطارها الثنائي. فالصين ومصر تنتميان إلى الجنوب العالمي، وتحملان في الوقت نفسه إرث حضارتين عريقتين، وطموحًا واضحًا إلى التنمية. ومن هنا، تزداد أهمية هذه العلاقة في قضايا الحوكمة العالمية.
تتحرك الصين ومصر اليوم داخل عدد من الأطر المتعددة الأطراف، من بينها منتدى التعاون الصيني العربي، ومنتدى التعاون الصيني الأفريقي، ومجموعة بريكس، ومنظمة شنغهاي للتعاون. وتمنح هذه المنصات مساحة أوسع للعمل والتنسيق بين البلدين. ومنذ الأول من يناير 2024، أصبحت مصر عضوًا رسميًا في آلية بريكس، وهو تطور يفتح أمامها وأمام شركائها من الدول النامية مجالًا أوسع للمشاركة في قضايا التنمية والتمويل والحوكمة العالمية.
وفي ظل ما يشهده العالم اليوم من اضطراب، ومع استمرار التوترات في الشرق الأوسط وتأثر حركة الملاحة في البحر الأحمر، عادت أهمية الموقع المصري إلى الواجهة. فمصر تقع عند واحدة من أكثر نقاط التجارة العالمية حيوية، حيث يلتقي أمن الشرق الأوسط باستقرار سلاسل الإمداد الدولية.
وفي هذا السياق، تؤكد الصين ومصر أهمية حل القضايا الساخنة عبر الوسائل السياسية، والتمسك بمقاصد ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة، ورفض دفع القضايا الأمنية نحو العسكرة أو الاصطفاف بين المعسكرات. وفي القضية الفلسطينية تحديدًا، تدعم الصين بثبات حل الدولتين، بينما تواصل مصر دورها في الوساطة وتقديم المساعدات الإنسانية. ومن ثم، فإن التواصل بين الجانبين حول قضايا السلام الإقليمي ليس تنسيقًا دبلوماسيًا عابرًا، بل يقوم على فهم متقارب لمعاني السيادة والأمن والتنمية والإنصاف والعدالة.
خاتمة
بعد سبعين عامًا، تبدو حيوية العلاقات الصينية المصرية مرتبطة بقدرتها على مواكبة أسئلة كل مرحلة. ففي زمن التحرر الوطني، وجد البلدان في بعضهما سندًا سياسيًا وأخلاقيًا؛ وفي مسيرة التحديث، تحولت الثقة المتراكمة إلى تعاون تنموي ومشروعات ملموسة؛ واليوم، مع صعود الجنوب العالمي، باتت هذه العلاقة جزءًا من نقاش أوسع حول مستقبل النظام الدولي ومكانة الدول النامية فيه.
ومن هنا، فإن المرحلة المقبلة من العلاقات بين الصين ومصر لا ينبغي أن تكتفي باستعادة تاريخ الصداقة، بل ينبغي أن تبني عليه شراكة أكثر ارتباطًا بحاجات الواقع: شراكة تدعم التنمية، وتخدم الاستقرار، وتفتح مجالًا أوسع للتفاهم بين الشعبين.
فكلما نجح البلدان في تحويل الثقة السياسية إلى مشروعات مشتركة، والتقارب الحضاري إلى معرفة متبادلة أعمق، والرؤى المتقاربة إلى تنسيق دولي أكثر فاعلية، ازدادت قدرة هذه الشراكة على فتح آفاق جديدة للتنمية والاستقرار والازدهار المشترك خلال العقود المقبلة.
أجريت التدقيق اللغوي والأسلوبي الكامل، مع تعزيز الخاتمة وتوحيد بعض المصطلحات وصقل الإيقاع التحريري مع الحفاظ على روح المقال وأفكاره الأساسية.



