رأىسلايدر

رمزي مستشارًا.. توقيت يحمل رسائل

Listen to this article

بقلم: السيد خلاف

تعيين الرئيس عبد الفتاح السيسي للدبلوماسي المخضرم عز الدين رمزي مستشارًا سياسيًا للرئاسة لا يمكن قراءته بوصفه إجراءً إداريًا عابرًا، بل كقرار محمّل بدلالات تتجاوز الشخص إلى طبيعة المرحلة، وإلى الكيفية التي تعتزم بها الدولة المصرية إدارة واحدة من أعقد اللحظات في تاريخها الإقليمي.

فعز الدين رمزي ليس اسمًا طارئًا على المشهد الدبلوماسي، بل ينتمي إلى مدرسة “الدبلوماسية الهادئة” التي تتشكّل داخل الغرف المغلقة أكثر مما تظهر على المنابر. خبرته الممتدة، خاصة خلال عمله سفيرًا لمصر في روسيا، وتعاطيه مع ملفات أوروبا الشرقية وما بعد الاتحاد السوفيتي، منحته فهمًا عميقًا لتوازنات القوى الدولية، ولطبيعة العقل السياسي في موسكو والغرب على حد سواء.

وهو من ذلك الطراز من الدبلوماسيين الذين لا يصنعون ضجيجًا، بل ينسجون خيوط التفاهمات المعقدة بصبر استراتيجي، ويجيدون إدارة القنوات الخلفية التي تُحسم فيها كثير من الصراعات قبل إعلان نتائجها.

من هنا، يصبح توقيت تعيينه هو المفتاح الحقيقي لفهم القرار. فمصر تتحرك الآن داخل حقل ألغام إقليمي: حرب مفتوحة في قطاع غزة، ضغوط أمريكية وإسرائيلية لإعادة تشكيل الواقع في القطاع، مخاوف مصرية من سيناريوهات التهجير، تصعيد في البحر الأحمر، وتداخلات معقدة في ليبيا والسودان.

في هذا السياق، لا يبدو استدعاء عقل دبلوماسي تفاوضي مثل رمزي ترفًا، بل ضرورة تفرضها طبيعة المرحلة.

في ملف غزة تحديدًا، تتحرك القاهرة بين أطراف متناقضة: حركة حماس من جهة، وإسرائيل مدعومة بـالولايات المتحدة من جهة أخرى. هنا تظهر قيمة رجل يجيد العمل بعيدًا عن الأضواء، قادر على إدارة تفاوض غير معلن، وصياغة حلول مرحلية تمنع الانفجار دون فرض أثمان سيادية على مصر، خاصة فيما يتعلق بسيناء.

وجود رمزي في هذا الموقع يوحي بأن القاهرة لا تكتفي بدور الوسيط التقليدي، بل تسعى لإعادة هندسة قواعد اللعبة، أو على الأقل منع فرض معادلات جديدة عليها.

لكن الدلالة لا تقف عند غزة. فالتعيين يحمل رسالة تتعلق بإعادة ضبط توازن العلاقات الدولية لمصر. في عالم يتجه نحو استقطاب حاد بين واشنطن وموسكو، تحتاج القاهرة إلى عقل يجيد التحرك بين الخطوط دون أن ينكسر تحت ضغطها.

خبرة رمزي الروسية هنا ليست تفصيلًا، بل أداة: إدارة علاقة مع موسكو دون استفزاز الغرب، والحفاظ على خطوط مفتوحة مع واشنطن دون الارتهان الكامل لها. إنها دبلوماسية “المسافة الآمنة” التي تحاول مصر من خلالها حماية مصالحها في بيئة دولية شديدة السيولة.

إقليميًا، في ليبيا والسودان، حيث تتقاطع المصالح وتتصارع القوى، يعكس هذا التعيين توجهًا نحو تغليب المقاربة السياسية التفاوضية، دون التخلي عن الأدوات الصلبة. فالدولة التي أدارت ملفاتها الحساسة لسنوات بأدوات أمنية بالأساس، تبدو الآن وكأنها تعيد إدخال الدبلوماسية الكلاسيكية إلى قلب صناعة القرار، لا كبديل، بل كشريك كامل.

ولا يمكن إغفال البعد المتعلق بالعلاقة مع الخليج، حيث توجد تباينات صامتة في بعض الملفات، من غزة إلى إيران إلى مسارات التطبيع. تعيين رمزي يوحي بمحاولة إعادة هندسة هذه التفاهمات بهدوء، عبر قنوات سياسية أقل صخبًا وأكثر قدرة على امتصاص الخلافات.

في العمق، يعكس القرار تحولًا تدريجيًا في فلسفة إدارة الدولة: من نمط يقوم على إدارة الأزمات بردود الفعل، إلى نمط يسعى إلى صناعة المسارات عبر التفاوض طويل النفس.

الخلاصة:
إن إدخال عز الدين رمزي إلى دائرة القرار الضيقة هو إعلان غير مباشر عن دخول مصر مرحلة تفاوضية ثقيلة، تتطلب عقولًا تدير التعقيد، لا مجرد مواجهته. مرحلة قد لا تُحسم فيها الصراعات بالضربة القاضية، بل بتراكمات هادئة تعيد رسم التوازنات دون إشعال المنطقة أكثر مما هي عليه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى