رئيس التحريرسلايدر

طهران: خطة إسرائيل السرية بين غرور القوة وواقع الفشل

Listen to this article

رئيس التحرير يكتب

ما كشفته صحيفة يديعوت أحرونوت ليس مجرد تسريب إعلامي، بل تشريح داخلي لعقل الاستراتيجية الإسرائيلية حين تتجاوز حدود الردع إلى وهم إعادة تشكيل الأنظمة. التقرير يفضح بوضوح أن ما سُمّي «النصر المطلق» لم يكن سوى رهان عالي المخاطر على تفكك دولة بحجم إيران—وهو رهان سقط تحت وطأة الواقع الجيوسياسي.

أول ما يلفت الانتباه هو أن الخطة لم تكن طارئة، بل امتداد لعقيدة قديمة تعود إلى زمن مئير داغان، وتطورت مع عودة بنيامين نتنياهو إلى الحكم. هذا يعني أن إسقاط النظام الإيراني لم يكن خيارًا تكتيكيًا بل هاجسًا استراتيجيًا متجذرًا، أعيد إنتاجه في سياق إقليمي أكثر تعقيدًا.

لكن جوهر الفشل يكمن في سوء تقدير ثلاثي الأبعاد:

1. وهم “الهندسة السياسية من الخارج”
اعتمدت الخطة على مسارين كلاسيكيين: النخب من الأعلى والشارع من الأسفل. غير أن التجربة أثبتت أن الأنظمة المتماسكة أمنيًا لا تسقط بتزامن الضغطين إلا إذا وُجد انقسام داخلي حاد—وهو ما لم يتحقق في الحالة الإيرانية. الاحتجاجات، رغم اتساعها، لم تتحول إلى ثورة قابلة للاستثمار الخارجي.

2. تضخّم الثقة بعد العمليات السابقة
النجاحات التكتيكية، مثل العمليات التي أشار إليها التقرير، خلقت لدى صانع القرار الإسرائيلي وهم القدرة على تكرار السيناريو في بيئة مختلفة تمامًا. وهنا وقع الخلط بين “القدرة على الضرب” و“القدرة على التغيير البنيوي”.

3. الرهان على دعم أمريكي غير مضمون
الدور الذي لعبه دونالد ترامب كان محوريًا، لكنه اتسم بالتذبذب. في العلن، بدا مؤيدًا، لكن داخل مؤسسات الحكم واجه معارضة حادة من شخصيات مثل ماركو روبيو، ما يعكس انقسامًا عميقًا بين النزعة الشعبوية والبيروقراطية الاستراتيجية. هذا الانقسام حوّل الدعم الأمريكي من رافعة حاسمة إلى عامل إرباك.

الزاوية الأخطر في التقرير:

الخطة لم تكن مجرد ضربات عسكرية، بل مشروع تفكيك شامل متعدد الأدوات:

  • اغتيالات سياسية محتملة
  • حرب نفسية وتأثير إعلامي
  • تحريك أقليات مسلحة
  • سيناريو تدخل بري عبر وكلاء

وهذا يكشف أن الصراع تجاوز مفهوم الحرب التقليدية إلى نموذج “الحرب الهجينة الشاملة”.

لماذا فشلت الخطة؟

ببساطة، لأنها اصطدمت بثلاث حقائق صلبة:

  • إيران ليست دولة هشة يمكن إسقاطها بصدمة عسكرية
  • الإقليم لا يحتمل فراغًا استراتيجيًا بهذا الحجم
  • القوى الكبرى نفسها تخشى نتائج النجاح أكثر من الفشل

حتى تدخل رجب طيب أردوغان، وفق الرواية، لم يكن تفصيلاً، بل مؤشرًا على أن أي تغيير جذري في إيران سيعيد رسم توازنات المنطقة بالكامل—وهو ما لا تريده أطراف عديدة.

الخلاصة الاستراتيجية:

التقرير يكشف تحولًا مهمًا:
من “إسقاط النظام” كهدف مركزي إلى مجرد “خيار نظري عالي التكلفة”.

وهذا يعني أن إسرائيل—رغم تفوقها العسكري—اصطدمت بسقف القوة، حيث تصبح السياسة أعقد من السلاح، والمجتمعات أصلب من التوقعات.

في النهاية، لم تفشل الخطة فقط…
بل سقط معها وهم أن الشرق الأوسط يمكن إعادة تشكيله بقرار استخباراتي أو ضربة جوية.

اترك تعليقاً

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى