
رئيس التحرير يكتب
شهد الربع الأول من عام 2026 تحولاً جذرياً في المشهد الاقتصادي لجمهورية أوزبكستان، حيث نجحت البلاد في تسجيل أرقام نمو استثنائية جعلتها تتفوق على تقديرات كبرى المؤسسات المالية العالمية مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي.
1. لغة الأرقام: نمو يتجاوز التوقعات
بينما كانت المؤسسات الدولية تتوقع نمواً يتراوح بين 6% و6.8%، فاجأت أوزبكستان الأسواق بنمو حقيقي وصل إلى 8.7%، مع ناتج محلي إجمالي بلغ 36.9 مليار دولار. ولم يكن هذا النمو مجرد طفرة رقمية، بل كان مدفوعاً بقطاعات حيوية:
-
قطاع الإنشاءات: تصدر المشهد بنمو هائل قدره 15%.
-
قطاع الخدمات: حافظ على مكانته كأكبر قطاع بنمو 8.8%.
-
الصناعة والزراعة: سجلا 8% و 5.1% على التوالي.
ملاحظة ذكية: لعب تقليص “اقتصاد الظل” من 24.8% إلى 22.9% دوراً محورياً في ظهور هذه الأرقام الحقيقية على السطح، مما يعكس نجاح سياسات الشفافية.
2. كبح جماح التضخم رغم العواصف العالمية
في ظل ارتفاع أسعار النفط عالمياً بنسبة 40% واضطراب سلاسل التوريد، واجهت أوزبكستان ضغوطاً تضخمية شرسة. ومع ذلك، نجحت الحكومة عبر نظام إدارة الأسعار الجديد في خفض التضخم السنوي من 10.34% إلى 7.1%.
إجراءات استباقية: قامت الحكومة بدعم تكاليف الشحن الجوي لاستيراد الماشية من منغوليا لضمان الأمن الغذائي واستقرار الأسعار، وهو تحرك مرن يعكس سرعة الاستجابة للأزمات.
3. مغناطيس الاستثمارات: الصين والذكاء الاصطناعي
بلغت الاستثمارات الأجنبية المباشرة مستويات قياسية بنمو 45.7%، لتصل إلى 8.84 مليار دولار.
-
الصين في الصدارة: باستثمارات بلغت 6.4 مليار دولار.
-
التحول الرقمي: التوجه نحو إطلاق منصة مدعومة بـ الذكاء الاصطناعي (AI) لتقديم توصيات استثمارية وتسهيل الإجراءات عبر نظام “النافذة الواحدة”.
-
الخصخصة: الإعلان عن طرح 30% من أصول الدولة (بقيمة 2.4 مليار دولار) في البورصات العالمية، بالتعاون مع مؤسسات كبرى مثل “فرانكلين تمبلتون”.
4. جغرافيا الصادرات: غزو أسواق جديدة
لم تعد أوزبكستان تعتمد على الأسواق التقليدية فقط؛ فقد وصلت صادراتها إلى 86 دولة، وشملت منتجات جديدة تماماً.
-
قفزة اليورانيوم: نمو بنسبة 95%.
-
الصادرات الغذائية: قفزت بنسبة 120%.
-
إجمالي الصادرات بلغ 5.8 مليار دولار، بزيادة قدرها 26% عن العام السابق.
5. البعد الاجتماعي: نمو بلمسة إنسانية
النجاح الاقتصادي لم يبقَ حبيس الأوراق المالية، بل انعكس على جودة حياة المواطن:
-
انخفاض معدل الفقر إلى 5%.
-
تراجع البطالة إلى 4.7%.
-
توفير وظائف دائمة لـ 167 ألف شخص في الربع الأول وحده.
6. شراكة استراتيجية: أوزبكستان والبنك الآسيوي للتنمية (ADB)
توجت هذه المسيرة باستضافة سمرقند للاجتماع السنوي الـ 59 للبنك الآسيوي للتنمية، حيث تم اعتماد برنامج شراكة جديد حتى عام 2030 بقيمة 12.5 مليار دولار.
-
الممرات الخضراء: التركيز على ممر الطاقة الخضراء “آسيا الوسطى – أوروبا”.
-
المعادن الحرجة: السعي للدخول في سلاسل القيمة المضافة لإنتاج البطاريات والإلكترونيات اعتماداً على الثروات المعدنية الوطنية.
الخلاصة الرؤيوية
تثبت أوزبكستان أنها لم تعد مجرد محطة على طريق الحرير القديم، بل أصبحت محركاً اقتصادياً حديثاً في قلب آسيا الوسطى. إن تجاوز نموها لنمو اقتصاديات كبرى كالهند (7.3%) يضعها في فئة “الاقتصاديات ذات الأداء الفائق”. ومع ذلك، يظل التحدي الأكبر هو الحفاظ على هذا الزخم وسط عالم يتسم بعدم الاستقرار الجيوسياسي، وهو ما تدركه القيادة الأوزبكية تماماً من خلال التحول نحو الطاقة الخضراء، والذكاء الاصطناعي، والتكامل الإقليمي.
أوزبكستان 2026 ليست مجرد قصة أرقام، بل هي قصة إصلاحات هيكلية جريئة تؤتي ثمارها.



