على عتبات المِحرابِ المَهجور: حين تَدفعُ “الداخلية” فاتورةَ الروح!

رئيس التحرير يكتب
في الشارعِ المجهدِ الذي يئنُّ تحتَ وطأةِ العابرين، تقفُ بناياتُنا الكبرى؛ المسجدُ، والمدرسةُ، والجامعةُ، ومؤسساتُ الثقافةِ والإعلامِ، كشواهدَ صامتةٍ على زَمَنٍ مَضى. زَمَنٍ كانتْ فيه هذه المناراتُ تَغزلُ للروحِ ثوبَ طُمأنينتِها، وتَزرعُ في صَدرِ الطفلِ والشابِّ رَقيباً لا ينام. لكنَّ العاصفةَ هبَّت، واعتصمتْ هذه الأركانُ التنشئيةُ بِصمتِها؛ فتراجعَ الخطاب الديني في كثير من الأحيان إلى قوالب تقليدية نمطية لا تلامس واقع الشباب الحقيقي كالإحباط والإدمان، وتحولت المؤسسات التعليمية من بناء الشخصية إلى مجرد تلقين للمجموع ونيل الشهادات مع اختفاء الأنشطة المدرسية والجامعية كالمسرح والرياضة، وانكفأت منصات الثقافة وتراجع المحتوى الإعلامي التنويري الهادف، فتركتِ الشارعَ لـ “فراغٍ قيميٍّ مُوحش”.
التربيةُ لا تَقبلُ الفراغ، وحينَ غابتِ القدوةُ وانسحبت الأسرة والمدرسة والمنابر الثقافية، استأجرتِ العقولُ الشابةُ مساحاتٍ أُخرى في عالمٍ افتراضيٍّ وبدائلَ هابطةٍ كـ “التيك توك” التي تصدر وهم الثراء السريع. ولم يقتصر الأمر على هذا، بل دخلت الدراما والسينما على خط الأزمة لتساهم في ترسيخ نموذج “البلطجي المحبوب” والخارج عن القانون كبطل شعبي ينتزع حقه بيده لا بالقانون، وسط غياب الرسالة الإعلامية المستنيرة والمشروعات الثقافية الجاذبة التي تحصن الوعي العام.
ووسطَ هذا التراجعِ الفادحِ لِحوائطِ الصدِّ الأخلاقية، وجدتِ الأجهزةُ الأمنيةُ ووزارةُ الداخليةِ نفسَها وحيدةً في العَراء، تدفعُ من دمِها وجهدِها الفاتورةَ الباهظةَ (بشرياً ومادياً) لِجُرومٍ كان يمكنُ لِكلمةٍ طيِّبةٍ من فوقِ منبر، أو درسٍ بليغٍ في فصلٍ مَدرسيٍّ، أو ومضة توعوية ومحتوى درامي راقٍ في وسائل الإعلام، أن يَئداها في مَهدِها. إنَّ رَجُلَ الأمنِ اليومَ يُطالَبُ بِمُعالجةِ تصدُّعاتِ الروحِ بأدواتِ القانون، وهو عِبءٌ يهدُّ الكواهلَ؛ فالشرطةُ تَقبِضُ على الجاني كعلاجٍ للعَرَض، لكنَّها ليست معنية بمحو فكرةَ الجريمةِ من رأسِه كعلاجٍ للمرض.
دعوةُ الرئيس.. إحياءُ الوعي من رَحمِ الكتاتيب
لم يكنْ نداءُ الرئيس عبد الفتاح السيسي بالعودةِ إلى كتاتيبِ المساجدِ مجردَ حنينٍ جارفٍ للماضي، بل كان استشرافاً عميقاً لعمقِ الأزمةِ وضبطاً لبوصلةِ المواجهة. إنَّ رأسَ الدولةِ، في تأكيدهِ المتكررِ على إحياءِ هذه المنارات، كان يضعُ اليدَ على الترياقِ الحقيقيِّ لحمايةِ الهويةِ الوطنيةِ والعربيةِ الغائبة، وتحصينِ عقولِ الأطفالِ الغضَّة من سمومِ الفكرِ المتطرفِ والجهلِ الأخلاقيِّ.
إنَّ “الكتّاب” في فكرِ الدولةِ ليس ركناً معزولاً، بل هو خطُ الدفاعِ الأولِ الذي يورثُ الطفلَ لغةً قويمةً، ومخارج حروف سليمة، ووازعاً دينياً وسيطاً ونقياً تحت إشراف الأجهزة المعتمدة، ينمو في جسدهِ كخلايا بيضاءَ تُحاربُ أوبئةَ الشارعِ والبلطجةِ والانحرافِ قبلَ أن تستفحلَ، فيتحولُ الطفلُ إلى لبنةٍ صالحةٍ يحميها ضميرُها قبلَ أن تحميها البنادق.
المعادلةُ الذهبية.. استقلاليةُ الأداء وتناغمُ الهدف
إنَّ هذا الإحياءَ لا يمكنُ أن يثمرَ في بيئةٍ مبعثرةٍ أو جزرٍ منعزلة، بل يستوجبُ تحقيقَ تلكَ “المعادلةِ الذهبيةِ” التي توازنُ بين التنسيقِ البينيِّ الأفقي لكافةِ مؤسساتِ الدولةِ واستقلاليةِ كلٍّ منهم في عملهِ الخاص. وهنا تبرز خريطة الأدوار الخماسية بوضوح؛ حيث يتكامل دور الأزهر الشريف ووزارة الأوقاف في صياغة المحتوى الديني المعتدل، مع دور وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي في دمج الأنشطة وبناء الوعي، جنباً إلى جنب مع المؤسسات الثقافية والهيئات الإعلامية التي تملك صياغة العقل الجمعي وتقديم القدوة وصناعة المحتوى البرامجي والدرامي المنضبط، ودور وزارة التضامن الاجتماعي في الرعاية والتقويم، وصولاً لـ وزارة الداخلية التي تؤمن المحيط وتراقب المؤشرات السلوكية ومعدلات الجريمة لربطها بمدى فاعلية التوعية.
هذا التنسيق يضمنُ وحدةَ الهدفِ الإستراتيجيِّ، أما الاستقلاليةُ الإجرائيةُ والتشغيلية لكل مؤسسة فهي سرُّ المرونةِ والابتكار، حيث تملكُ كل جهة حريتَها الكاملةَ في صياغةِ أدواتِها ورسائلها الإعلامية أو الثقافية أو التعليمية دونَ روتينٍ مقيد، شريطةَ ألا يخلَّ هذا التحررُ بـ “المحتوى النوعيِّ والخطوط الحمراء للرسالةِ”؛ فلا ينحرفُ خطابٌ، ولا تتبددُ هوية، وتظلُّ معاييرُ الجودةِ (KPIs) هي الحكمَ الأسمى والمقياسَ الحقيقيَّ لسلامةِ المنتجِ البشريِّ النهائي.
تحريرُ المآذن.. ثورةُ التثقيف ومكبراتُ الصوتِ النافعة
ولأنَّ الوعيَ لا ينمو وراءَ الأبوابِ الموصدة، فقد باتَ لزاماً تحريرُ المساجدِ من الضوابطِ التعسفيةِ والإدارية الجامدة التي اختزلتْ دورَها في دقائقَ مَعدودةٍ تُفتحُ فيها لوقتِ الصلاةِ ثم تُغلقُ طوالَ اليومِ بالأقفالِ الحديدية. يجبُ أن تعودَ المساجدُ حرةً، نابضةً بالروحِ والتثقيفِ على مدارِ الساعة، لتفيضَ على المرتادين عبر “البرامج الصيفية والمقارئ” بعلومِ الدينِ الحقة؛ من فقهِ المعاملاتِ الميسر الذي يُرسخُ الأمانة وحرمة الأموال وحسن الجوار، إلى تحفيظِ القرآنِ الكريم، وصولاً إلى صفحاتِ التاريخِ الإسلاميِّ وسيرِ الأعلامِ التي تُقدمُ للشبابِ قدواتٍ حيةً تملأُ شغفَهم وتدعم الهوية الثقافية والإعلامية للدولة بدلاً من غثاءِ العالمِ الافتراضيِّ.
ولا مانعَ في هذا النطاق، بل هو من تمامِ الرسالةِ وعينِ الحكمة، أن تُستغلَّ مكبراتُ الصوتِ الخارجيةِ لتعددِ المنفعةِ التوعويةِ للشارعِ خارجَ حدودِ الجدران لتبث خطب الجمعة ودروس الأخلاق العامة ومكافحة الإدمان، لتكون صوتاً إعلامياً حياً يتردد في الآفاق. إنَّ انطلاقَ الكلمةِ الطيبةِ المعتدلة يطرقُ أبوابَ البيوتِ والمحلات، وينشرُ عطرَ التوعيةِ في الفضاءِ العام؛ شريطةَ أن تُرعى في ذلكَ الضوابطُ التقنيةُ من هندسةِ الصوتِ واختيارِ الأوقات ومنع التشويش بين المساجد المتقاطعة، ليكونَ الصوتُ جامعاً لا مفرقاً, مهذباً لا مزعجاً، ومراعياً لأحوالِ الناسِ ومرضاهم وفق فقه الواقع.
حينئذٍ فقط، عندما تلتقي سلطةُ القانونِ النافذةِ التي تمثلُها وزارةُ الداخليةِ مع الردعِ الذاتيِّ والوعيِ الأخلاقيِّ الذي تصنعهُ المساجدُ والمدارسُ والجامعات، وتصقله أدوات الثقافة والإعلام المستنير، تسقطُ الفاتورةُ الباهظةُ عن كاهلِ الأمن، ويستعيدُ المجتمعُ توازنَهُ المسلوب، مبحراً بسفينتهِ نحو برِّ الأمانِ بجناحينِ قويينِ متكاملين.



