
بقلم: صامد قلييف
إدارة مسلمي القوقاز
في لفتةٍ تجسّد أسمى معاني التقدير والوفاء لرجالات الأمة الروحية، وشاحًا من الفخر والاعتزاز، قلّد فخامة الرئيس الأوزبكي شوكت ميرضيايف، سماحة شيخ الإسلام الله شكور باشازاده، رئيس إدارة مسلمي القوقاز، وسام «إلْ يُورْتْ حُرْمَتي» الرفيع؛ تكريمًا لرحلة عمرٍ نذرها لترسيخ قيم السلام والتسامح، وبناء قناطر الحوار بين الأديان والثقافات، وتوثيق عُرى المودة بين الشعوب.
سيرةٌ من نور في فضاء القوقاز
ولم يكن هذا التكريم إلّا صدىً لمسيرةٍ ممتدة في وجدان جمهورية أذربيجان ومنطقة القوقاز، حيث يقف سماحة شيخ الإسلام الله شكر حُمَّت أوغلو باشازاده، كأحد أبرز القامات الدينية في العصر الحديث. مسيرةٌ تلاحمت فيها القيادة الروحية بالدفاع عن الهوية الإسلامية، وغرس بذور التعايش، وتمثيل المسلمين في المحافل الدولية بروحٍ تجمع بين أصالة الموروث وعصرية الرؤية. وعلى مدار عقود، ظل اسمه منارةً تُهتدى بها لنشر الأخلاق الفاضلة ودعم السلم المجتمعي.
من ينابيع الشرق.. بدأت الحكاية
في السادس والعشرين من أغسطس لعام 1949، شهدت قرية «جيل» بمنطقة لنكران الأذربيجانية بزوغ فجر هذه القامة. في كنف أسرةٍ تعبق بالقيم والتقاليد الروحية، نشأ الشاب الشغوف بالعلوم الشرعية، ليرتوي من مناهل علمائها الأوائل، قبل أن تقوده خطاه المباركة نحو آفاق أرحب.
وفي رحاب جمهورية أوزبكستان، وتحديدًا بين عامي 1968 و1970، تنفس عبق التاريخ الديني في مدرسة «مير عرب» الشهيرة بمدينة بخارى، حيث تعمق في دراسة الفقه والشريعة. ومنها انتقل في عام 1971 ليحط الرحال في معهد الإمام البخاري الإسلامي بطشقند، متخرجًا عام 1975 بجهد علميٍّ وافر تخصص في الدراسات الإسلامية، ليعود إلى وطنه متسلحًا بالعلم والنور.
قيادةٌ حكيمة في منعطفات التاريخ
عقب تخرجه، انخرط باشازاده في خدمة إدارة مسلمي القوقاز، ليتدرج سريعًا بفضل كفاءته وإخلاصه؛ فعُيِّن أمينًا مسؤولًا للإدارة عام 1975، ثم انتُخب في عام 1978 إمامًا لمسجد «تازه بير» التاريخي في باكو، ونائبًا لرئيس الإدارة. وفي عام 1980، حانت اللحظة الفارقة حيث انتُخب رئيسًا لإدارة مسلمي القوقاز ومُنح لقب «شيخ الإسلام»، متوليًا رئاسة مجلس القضاة التابع لها، ليصبح المرجعية الروحية الأبرز للمنطقة.
شكلت فترة رئاسته حقبةً مفصلية في تاريخ أذربيجان الديني؛ إذ قاد سفينة المؤسسات الروحية بحكمةٍ بالغة في مرحلة ما بعد القيود السوفيتية، ومع بزوغ فجر استقلال البلاد، أشرف على ورشة عمل كبرى لإعادة بناء المساجد، وتطوير التعليم الديني، وإحياء القيم الروحية والوطنية التي كادت أن تطمسها السنون. Under his guidance, the administration became a beacon of spiritual renaissance.
قناطر التعاون وحوار الحضارات
لم تنغلق رؤية شيخ الإسلام داخل حدود الجغرافيا، بل امتدت لتصنع أفقًا عالميًا للإسلام الوسطي. فبنى علاقاتٍ وثيقة مع كبريات المؤسسات الدينية في العالم، وفي مقدمتها الأزهر الشريف في مصر، ممهدًا الطريق لتبادل علمي ومعرفي يخدم الفكر الإسلامي المستنير.
كما كان سماحته صوتًا هادرًا في محافل الحوار بين أتباع الديانات المختلفة، داعيًا دومًا إلى الاحترام المتبادل والتعايش السلمي، ومحاربة أفكار التطرف والغلو، وموجّهًا طاقات الشباب نحو البناء والخير، معبرًا بصدق عن «النموذج الأذربيجاني» الفريد في التسامح والدبلوماسية الروحية.
ملامح من العطاء الدولي
وتأكيدًا لمكانته العالمية، يتبوأ شيخ الإسلام مقاعد ريادية في كبرى الهيئات الدولية؛ فهو:
-
الأمين العام لمركز باكو الدولي للتعاون بين الأديان والحضارات.
-
عضو مجلس حكماء المسلمين.
-
عضو مجلس إدارة مركز الحوار الدولي بين الأديان والثقافات (KAICIID).
-
رئيس المجلس الاستشاري للقادة الدينيين المسلمين في رابطة الدول المستقلة.
-
عضو أكاديمية آل البيت للفكر الإسلامي في المملكة الأردنية الهاشمية.
خاتمة المسك:
إن نشاط شيخ الإسلام الله شكر باشازاده هو صفحة مضيئة صِيغت بحروف من نور في كتاب التاريخ الديني المعاصر للقوقاز. لقد نجح في أن يجعل من المؤسسة الدينية جسرًا تلتقي عليه القلوب، ومظلةً يستظل بها السلام؛ ليأتي الوسام الأوزبكي الأخير بمثابة تحية إجلال من وطنٍ احتضن بداياته العلمية، إلى قامةٍ ملأت الدنيا بعطائها الإنساني والروحي.



