
أشرف أبو عريف يكتب
في الوقت الذي يواصل فيه الاحتلال الإسرائيلي غزو الأراضي السورية وتعميق مأساة الإبادة الجماعية في فلسطين ولبنان، يبلغ التحدي الصهيوني ذروته بالتعامل بغطرسة مهينة مع المنظومة العربية، واضعاً حذاءه فوق القرارات الدولية؛ بدءاً من منع أمين عام جامعة الدول العربية من زيارة السلطة الفلسطينية، وصولاً إلى تدشين مقصلة “إعدام بطيء” ممنهج للقيادات الوطنية داخل زنازين الموت. فإلى متى ندين ونستنكر والعدوان يستبيح كل شيء؟! أليس بعد؟!
اغتيال صامت في عتمة السجون: رصاصة من مسافة صفر تستهدف البرغوثي
في بيان يقطر عجزاً وغضباً، كشفت جامعة الدول العربية (قطاع فلسطين والأراضي العربية المحتلة) عن فظائع يندى لها الجبين الإنساني، تدور خلف قضبان الاحتلال. جريمة حرب جديدة وبشعة جرت تفاصيلها قبل أيام، حيث أطلقت قوات القمع الإسرائيلية رصاصة مطاطية من مسافة صفر أسفل ركبة القائد الوطني البارز وأحد أهم رموز الحركة الوطنية الفلسطينية، الأسير مروان البرغوثي (أبو القسام)، مما تسبب له بنزيف حاد وإصابة خطيرة كادت أن تتركه بعاهة مستديمة.
الاعتداء المروع الذي نقلته زوجة البرغوثي عقب زيارة محاميه السيد “فيلدمان”، ليس مجرد سلوك عابر، بل هو حلقة في مسلسل سادي:
-
قبل أقل من شهرين: تعرض البرغوثي لإلقاء قنبلة صوتية داخل زنزانته أدت إلى حرق يده بشكل بليغ.
-
حملات تحريض استخباراتية: تأتي هذه الاعتداءات الجسدية المباشرة ترجمةً لتقارير استخباراتية إسرائيلية تحرّض على تصفية البرغوثي علناً.
لمن جيوش العرب؟ وأين صدى “وامعتصماه” في زمن الصمت؟
أمام هذا المشهد المأساوي والنبرة الباردة لبيانات التنديد، يبرز السؤال الأكثر مرارة في تاريخ الأمة الحديث: لمن جُيشت جيوش العرب؟ ولماذا صِيغت وثائق “اتفاقية الدفاع العربي المشترك” إذا كانت تعجز عن حماية غزة وبيروت ودمشق، أو حتى إنقاذ رمز أسير يُصفى بدم بارد؟!
إن التاريخ يُعيد نفسه بمرارة؛ فبينما كانت صرخة امرأة واحدة في الماضي المحرك لجيوش جرارة هزت عروش الطغاة تحت نداء “وامعتصماه” و”واإسلاماه”، تقف اليوم مئات الآلاف من النساء والأطفال والأسرى يصرخون بملء حناجرهم في بؤر المقاومة الفلسطينية والمدن المستباحة، لكن صرخاتهم ترتد في أروقة الصمت والمناشدات العقيمة. ألم يبلغ مسامع العواصم صدى هذه الآهات بعد؟ أم أن بنود الدفاع المشترك باتت حبراً على ورق في أرشيف النسيان؟
الظهير الحارس للأمن العربي.. كيف تُترك “بؤر المقاومة” وحيدة خلف الأسوار؟
إن ما يغيب عن الحسابات الدبلوماسية الباردة هو أن الأسرى القابعين في غياهب السجون ليسوا مجرد أرقام أو ضحايا، بل هم الظهير الحارس للأمن العربي الاستراتيجي، وخط الدفاع الأول عن كرامة الأمة. إن استهداف رموز المقاومة الفلسطينية داخل أسوار زنازين العتمة هو محاولة صهيونية صريحة لكسر الإرادة الشامخة التي أجهضت -ولا تزال- مخططات التصفية والتهجير.
وإزاء هذا الصمود الأسطوري لأبطال المقاومة خلف الأسوار، يبرز السؤال الأكثر إيلاماً: كيف يُترك هؤلاء المقاتلون الشرفاء وحدهم في مواجهة آلة البطش والتنكيل؟ ألم يحن الوقت بعد لتدرك العواصم العربية أن التفريط في أسرى المقاومة هو تفريط في عمق الأمن القومي العربي برمته؟
إعدام بطيء بدم بارد..
أكدت الجامعة العربية أن ما يتعرض له الأسرى والمعتقلون الفلسطينيون يعكس سياسة إجرامية متعمدة تهدف إلى “الإعدام البطيء” وكسر إرادة الشعب الفلسطيني. ورغم فداحة الجرم، تصطدم المطالب العربية بجدار الصمت الدولي، حيث تضمن البيان مناشدات مكررة تمثلت في:
-
اعتبار الاعتداءات جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، وتحميل حكومة الاحتلال المسؤولية الكاملة عن حياة البرغوثي.
-
المطالبة بتشكيل لجنة تحقيق دولية عاجلة لتقديم الجناة إلى المحاكمة.
-
المطالبة بالسماح بزيارة طبية محايدة ونقل الأسير إلى مستشفى خارج السجون فوراً.
-
الإفراج الفوري وغير المشروط عن مروان البرغوثي كونه أسيراً سياسياً يُحتجز لأسباب نضالية.
مجتمع دولي متواطئ وصمت يغذي الإبادة
أمام هذا المشهد المأساوي، تتبخر الوعود الدولية وتنكشف عورة “القانون الدولي الإنساني” واتفاقيات جنيف التي باتت حبراً على ورق تحت أقدام الاحتلال. لقد غدا صمت المجتمع الدولي تواطؤاً علنياً لا يمكن قبوله، وهو ما دفع قطاع فلسطين بالجامعة للتوجه بنداء أخير إلى الأمم المتحدة، مجلس الأمن، والمحكمة الجنائية الدولية للتحرك قبل فوات الأوان.
ولكن، يبقى السؤال الصادم والملح يتردد في أروقة العواصم العربية: إلى متى يكتفي النظام الرسمي العربي ببيانات الإدانة “بأشد العبارات”، بينما يستمر الاحتلال في افتراس الأرض، وغزو سوريا، وإبادة لبنان وفلسطين، واغتيال أسرانا بدم بارد؟! أليس بعد لمثل هذه النيران أن تحرك الركود الدبلوماسي والعسكري ليرتقي إلى مستوى تضحيات هؤلاء الأبطال، ويعيد للأمة هيبتها المهدورة؟!



