مِنْ هِجْرَةِ النَّصْرِ.. إِلَى نُزُوحِ القَهْرِ

شعر: أشرف أبو عريف
فِي عَتْمَةِ اللَّيْلِ، وَالأَبْصَارُ شَاخِصَةٌ،
وَالسَّيْفُ يَقْطُرُ حِقْدًا فِي يَدِ الزُّمَرِ.
سَارَ النَّبِيُّ، يُحِيطُ اللَّهُ خُطْوَتَهُ،
وَبَاقِرُ الغَارِ صِدِّيقٌ مَدَى العُمُرِ.
يَقُولُ: «لَا تَحْزَنْ، فَاللَّهُ ثَالِثُنَا»،
فَتَسْكُنُ الرُّوحُ بَيْنَ الخَوْفِ وَالخَطَرِ.
مَشَوْا عَلَى الرَّمْلِ، وَالآمَالُ تَحْدُوهُمْ،
حَتَّى تَبَدَّتْ بِلَادُ النَّخْلِ وَالزَّهَرِ.
وَاسْتَقْبَلَتْ يَثْرِبُ الأَنْوَارَ، هَاتِفَةً:
«طَلَعَ البَدْرُ»، فَانْزَاحَتْ رُؤَى الكَدَرِ.
تَقَاسَمُوا الكِسْرَةَ السَّمْرَاءَ فِي شَغَفٍ،
وَدَثَّرُوا الخَوْفَ بِالتَّرْحَابِ وَالنُّصُرِ.
هَذَا يُشَاطِرُهُ الدُّنْيَا، وَذَا دَمُهُ
نَهْرٌ مِنَ الجُودِ، لَمْ يَبْخَلْ وَلَمْ يَذَرِ.
كَانُوا مَلَاذًا، وَكَانُوا مِلْءَ لَهْفَتِهِمْ،
حِصْنًا مَنِيعًا لِكُلِّ الأَهْلِ وَالسَّفَرِ.
وَاليَوْمَ، هَا هِيَ «غَزَّةُ» فِي تَلَهُّفِهَا،
تَشْكُو إِلَى اللَّهِ خِذْلَانًا مِنَ البَشَرِ!
تُقْصَفُ الدَّارُ، وَالأَطْفَالُ نَازِحَةٌ،
وَمَا لَهَا نَاصِرٌ فِي السَّهْلِ وَالوَجَرِ.
وَفِي «لُبْنَانَ» أَنِينُ الأَرْزِ مَكْتُومٌ،
وَفِي «إِيرَانَ» وَ«كَشْمِيرٍ» لَظَى الصُّوَرِ.
بِقَاعُ الأَرْضِ تَجْرِي الدَّمْعَ خَاذِلَةً،
وَعَالَمٌ مُغْمِضُ العَيْنَيْنِ عَنْ قَدَرِ.
أَيْنَ الأُخُوَّةُ؟ هَلْ مَاتَتْ مَشَاعِرُنَا؟
أَمْ أَنَّنَا مَزَّقَتْنَا رِحْلَةُ الحَذَرِ؟
المُسْلِمُونَ بِلَا أَنْصَارَ تَحْمِيهِمْ،
يَبِيتُ مَظْلُومُهُمْ فِي قَبْضَةِ السَّهَرِ.
لَكِنَّ فَتْحَ رَسُولِ اللَّهِ مَوْعِدُنَا،
وَعَوْدَةُ الحَقِّ مَكْتُوبٌ بِذَا الأَثَرِ.
دَخَلَ النَّبِيُّ بَطِيءَ الخَطْوِ، مُنْحَنِيًا،
شُكْرًا لِرَبِّ السَّمَا فِي مَوْقِفِ الظَّفَرِ.
قَالَ: «اذْهَبُوا، فَنَسِيمُ العَفْوِ يَشْمَلُكُمْ،
أَنْتُمْ طُلَقَاءُ»، رَغْمَ الطَّعْنِ فِي الظَّهْرِ.
عَفْوٌ سَمَا فَوْقَ أَحْقَادٍ قَدِ انْتَبَذَتْ،
فَأَشْرَقَ الدِّينُ نُورًا مِلْءَ هَذَا الكُرَي.
يَا رَبِّ، يَا خَالِقَ الأَكْوَانِ، نَبْتَهِلُ
أَنْ تَجْمَعَ الشَّمْلَ بَعْدَ اليَأْسِ وَالضَّرَرِ.
وَحِّدْ صُفُوفَ رِجَالِ الدِّينِ، وَاجْعَلْهُمْ
صَفًّا كَبُنْيَانِ حِصْنٍ غَيْرِ مُنْكَسِرِ.
وَانْصُرْ بِغَزَّةَ أَطْفَالًا وَمَنْ صَمَدُوا،
وَارْفَعْ بَلَاءَ العِدَا عَنْ كُلِّ مُنْقَهِرِ.
أَعِدْ لَنَا عَهْدَ أَنْصَارٍ نَعِيشُ بِهِ،
تَحْتَ لِوَاءِ الهُدَى… وَالقُدْسُ.



