
أشرف أبو عريف يكتب
بين عراقة المشرق وسحر القوقاز، تمتد جسورٌ إنسانية وحضارية ضربت جذورها في أعماق التاريخ، لتعود اليوم وتزهر في ثوب دبلوماسي واقتصادي فريد. وتأتي زيارة الدولة الرسمية التي يقوم بها رئيس جمهورية أوزبكستان، السيد شوكت ميرضيايف، إلى جورجيا لتشكل محطة تاريخية فارقة وعلامة مضيئة في مسيرة العلاقات بين البلدين؛ حيث لا تحمله هذه الزيارة كقائد سياسي فحسب، بل كـمهندس لرؤية مستقبلية طموحة تسعى لتحويل الإرث الثقافي والتاريخي المشترك إلى شراكة استراتيجية صلبة وممرات اقتصادية عابرة للحدود. وفيما يلي النص الكامل للمقال الذي يستعرض أبعاد هذا التحول الكبير:
نص المقال:
أوزبكستان وجورجيا: من الصداقة التاريخية إلى الشراكة الاستراتيجية
يقوم رئيس أوزبكستان شوكت ميرضيايف بزيارة دولة إلى جورجيا في الفترة من 2-3 يوليو، لتتويج مسار ممتد من العلاقات الثنائية القائمة على روابط تاريخية عميقة تضرب بجذورها في أعماق القرون. وتشهد هذه العلاقات في العصر الراهن تطوراً ديناميكياً ومنهجياً عبر مختلف الأصعدة السياسية، الاقتصادية، الثقافية والإنسانية.
إن الدولتين لا تجمعهما طرق التجارة القديمة فحسب، بل يربطهما تعاون شامل يرتكز على الاحترام المتبادل، الثقة، والتوافق العميق في المصالح الاستراتيجية. وفي السنوات الأخيرة، ساهمت اللقاءات رفيعة المستوى، والتوسع الكبير في الروابط التجارية والاقتصادية، وتكثيف التبادل الثقافي، في الارتقاء بالعلاقات الثنائية إلى آفاق جديدة وتاريخية غير مسبوقة.
تأسست العلاقات الدبلوماسية بين أوزبكستان وجورجيا في 19 أغسطس 1994، ومنذ ذلك الحين، يسير الحوار السياسي بين الدولتين بخطى ثابتة ومستمرة. وفي سبتمبر 1995، تم توقيع “معاهدة الصداقة والتعاون” لتكون بمثابة الركيزة القانونية والأساس المتين للعلاقات الثنائية.
وقد ساهمت اللقاءات المنتظمة بين قادة الدولتين والحكومات في تعزيز وتعميق الثقة السياسية المتبادلة. وبشكل خاص، شهدت الفترة بين عامي 2022 و2025 دفعة قوية لتوسيع التعاون الشامل من خلال الزيارات الرسمية المتبادلة لرؤساء وزراء البلدين، والحوارات الرئاسية رفيعة المستوى، ودورات اللجنة الحكومية المشتركة، فضلاً عن المشاورات السياسية المؤسسية بين وزارتي الخارجية.
وفي 5 مارس 2025، استقبل رئيس أوزبكستان وفداً رفيع المستوى بقيادة رئيس وزراء جورجيا، إيراكلي كوباخيدزه، الذي قام بزيارة رسمية إلى أوزبكستان. وخلال اللقاء، استعرض الجانبان بشكل شامل القضايا المتعلقة بزيادة تعميق التعاون متبادل المنفعة في مجالات التجارة، الاقتصاد، الاستثمار، النقل، اللوجستيات، السياحة، والثقافة، مع الإشادة بـتكثيف الاتصالات المؤسسية على المستويين البرلماني والحكومي.
كما يشهد التعاون البرلماني تطوراً مستمراً؛ حيث تعمل بنشاط داخل المجلس التشريعي للأوليمجليس (البرلمان الأوزبكي) مجموعة تعاون برلمانية مخصصة لتعزيز العلاقات مع برلمان جورجيا. علاوة على ذلك، يشارك ممثلو جورجيا بانتظام كمراقبين دوليين في الانتخابات الرئاسية والبرلمانية في أوزبكستان.
ويعمل نظام التجارة الحرة بين البلدين كمحفز للنمو المستمر في حجم التبادل التجاري المتبادل؛ إذ تضاعف حجم التجارة الثنائية بمقدار مرتين ونصف خلال السنوات الخمس الماضية، رافقه زيادة في عدد المشاريع المشتركة وتوسع كبير في حجم نقل البضائع. وفي هذا السياق، يعمل بنجاح في أوزبكستان بنك رقمي تم إنشاؤه بمشاركة مستثمرين جورجيين. بالإضافة إلى ذلك، تم تنظيم المعرض الوطني “صنع في أوزبكستان” في تبليسي في يونيو 2025، بمشاركة نشطة لأكثر من مائة شركة أوزبكية رائدة تمثل قطاعات النسيج، الهندسة الكهربائية، الصيدلة، التصنيع الغذائي، بناء الآلات وغيرها من القطاعات الصناعية الحيوية.
وتحتل قضايا العبور (الترانزيت) والنقل والتفاعل اللوجستي مكانة مميزة في بنية التعاون الثنائي. وفي يونيو من العام الجاري، أقيم حفل الافتتاح الرسمي لـخط سكة حديد (باكو – تبليسي – كارس) المطور في مدينة أخالكالاكي. ومن منظور استراتيجي، فإن التكامل السلس لهذا الممر النقل مع مشروع بناء سكة حديد (الصين – قرغيزستان – أوزبكستان) سيعزز بشكل جوهري إمكانات العبور الشاملة لكلا البلدين.
إن التعاون الثقافي بين أوزبكستان وجورجيا يرتكز هو الآخر على تقاليد غنية وعريقة؛ حيث يتم تنظيم أيام السينما، والمهرجانات الثقافية، والفعاليات العلمية والتعليمية بشكل منتظم. ففي العام الماضي، استضافت تبليسي أيام الثقافة والسينما الأوزبكية بنجاح، بينما تم الاحتفال بأيام الثقافة الجورجية هذا العام بنجاح كبير في طشقند.
ومن الرموز الخالدة لروابط الصداقة العميقة التي توحد البلدين، وجود شارع مركزي في عاصمة أوزبكستان يحمل بفخر اسم الشاعر الجورجي البارز شوتا روستافيلي، إلى جانب نصب تذكاري أقيم تكريماً له. وبالمثل، في عام 2025، وبموجب مرسوم صادر عن مجلس مدينة تبليسي، تم إطلاق اسم الشاعر والمفكر الأوزبكي الكبير علي شير نوائي رسمياً على حديقة مركزية بارزة في عاصمة جورجيا، مما يعد شهادة حية على التقدير العميق المتبادل لثقافة وتاريخ البلدين.
واليوم، تساهم رحلات الطيران المباشرة بين (طشقند – تبليسي) و(طشقند – باتومي) في تحفيز التوسع القوي للروابط السياحية والتجارية بين الشعبين. ويعيش حالياً في أوزبكستان حوالي أربعة آلاف مواطن من أصول جورجية، ويعمل في طشقند منذ عام 1994 المركز الثقافي الجورجي “ميغوبروبا” (الصداقة)، مساهماً بشكل كبير في الحفاظ على هويتهم الثقافية المتميزة وتعزيزها.
وتجدر الإشارة إلى أن العلاقات بين شعبي أوزبكستان وجورجيا تعود إلى العصور القديمة؛ حيث وثق المؤرخون القدامى وجود روابط تجارية بين خوارزم وكولخيس، كانت تتم عبر نهر آمو داريا وبحر قزوين. ومع تأسيس طريق الحرير الكبير، خاصة من القرن السادس فصاعداً، مر أحد أهم الطرق التجارية التي تربط القوقاز بالإمبراطورية البيزنطية عبر سمرقند وبخارى وخوارزم. فضلاً عن ذلك، تضمنت ملحمة الشاعر الجورجي شوتا روستافيلي الشهيرة من القرن الثاني عشر “الفارس في جلد النمر” إشارات صريحة إلى خوارزم، مما يثبت تاريخية وعمق هذه الروابط منذ العصور الوسطى.
وفي الفترات اللاحقة، شارك ممثلو الشعب الجورجي بنشاط في الحياة العامة لأوزبكستان، وكان من بينهم رجال أعمال بارزون، ومهندسون معماريون، وعلماء، وشخصيات ثقافية، ومتخصصون في المجال الطبي. ومن الرموز البارزة لهذه الصداقة المستمرة، رجل الأعمال جورج تسينتسادزي، الذي شُيد بمبادرته مسرح “الكولوسيوم” الشهير في طشقند، وكذلك الأكاديمي إدفارد رتفيلادزه، الذي قدم مساهمة هائلة في تطوير علم الآثار في أوزبكستان؛ حيث حظيت مئات من أعماله العلمية المخصصة لتاريخ أوزبكستان وطريق الحرير بتقدير دولي واسع.
وفي الختام، لا بد من التأكيد على أنه وسط تعقيدات المشهد الدولي المعاصر، تستمر العلاقات بين أوزبكستان وجورجيا في التطور المنهجي على أساس الثقة المتبادلة الراسخة، الحوار المفتوح، والتعاون البراغماتي. إن الإرادة السياسية الحازمة لقادة الدولتين، والتوسع الديناميكي للروابط الاقتصادية والإنسانية، والإرث التاريخي الغني، كلها عوامل تشكل أساساً متيناً لمزيد من تعزيز الشراكة متبادلة المنفعة. ولا شك أن هذا التفاعل واسع النطاق، واللقاءات المنتظمة، والحوار البناء، سيستمر في تيسير توسيع التعاون الشامل، صانعاً أرضية موثوقة للتنمية التقدمية المستمرة للعلاقات الأوزبكية الجورجية.



