مسارات الضوء والعبور: عندما تلتقي سمرقند بـ “تبليسي” على طريق الغد

أشرف أبو عريف يكتب
يقدم الباحث “ميرازيز ميروماروف” (كبير الباحثين في معهد الدراسات الإستراتيجية والإقليمية التابع لرئيس جمهورية أوزبكستان) ورقة تحليلية رصينة وواضحة المعالم، تستعرض التحول الجذري في العلاقات الأوزبكية-الجورجية. المقال ليس مجرد جردٍ للأرقام، بل هو قراءة في “البرغماتية الذكية” وكيف يمكن لدولتين لا تجمعهما حدود مشتركة أو تحالفات إيديولوجية قسرية، أن تصنعا شراكة إستراتيجية قائمة على المصالح المشتركة والربط الجغرافي.
ويمكن تفكيك المقال إلى عدة محاور رئيسية:
1. التحول من “الجمود” إلى “الحركية الدبلوماسية”
يضع الكاتب يده على نقطة تحول فارقة؛ فالعلاقات التي عاشت قرابة عقدين (منذ الاستقلال) تحت تأثير العطالة والجمود (بتبادل تجاري متواضع لم يتجاوز 50 مليون دولار)، شهدت قفزة نوعية عام 2017. هذا التاريخ يمثل “الولادة الثانية” للدبلوماسية الأوزبكية بقيادة الرئيس شوكت ميرضيايف، حيث انفتحت تاشكنت على العالم، وأعادت تقييم منطقة جنوب القوقاز كبوابة إستراتيجية، وتوج ذلك بالقاءات المستمرة والتي استمرت حتى زيارات رؤساء الوزراء المتبادلة في عامي 2023 و2025.
2. الاقتصاد بالأرقام: لغة الثقة المتبادلة
ينتقل المقال بسلاسة من التنظير السياسي إلى لغة الأرقام الصارمة ليثبت نجاح هذه الرؤية:
-
تضاعف التجارة: تضاعف التبادل التجاري ليتجاوز 267 مليون دولار في عام 2025، بعد أن سجل ذروة قياسية في 2024 تقترب من 326 مليون دولار.
-
تنوع الهيكل التجاري: لم يعد الأمر مقتصراً على سلع تقليدية، بل شمل صناعات ثقيلة، ومواد كيميائية، وأغذية، وأدوية.
-
الاستثمار المشترك: وجود نحو 100 شركة بجسمال جورجي في أوزبكستان، وأكثر من 140 شركة أوزبكية في جورجيا، يعكس “توطين الثقة” بين قطاعات الأعمال في البلدين.
3. الجغرافيا السياسية (Geopolitics) واللوجستيات: “الممر الأوسط”
هذا هو قلب المقال العصبي. يرى الكاتب أن جورجيا بفضل موانئها مثل (بوتي وباتومي) تمثل “الجسر الطبيعي” لأوزبكستان نحو الأسواق الأوروبية.
-
الممر الأوسط (Middle Corridor): تضاعف حجم الشحن الأوزبكي عبر هذا الممر ليصل إلى 1.2 مليون طن بحلول نهاية عام 2025.
-
المشروع الرمز: الاستثمار الأوزبكي في بناء محطة لوجستية متعددة الوظائف في المنطقة الصناعية الحرة في “بوتي” على مساحة 30 هكتاراً. هذا المشروع ينقل العلاقة من مجرد “استخدام البنية التحتية” إلى “امتلاك قواعد لوجستية سيادية” تشجع تدفق البضائع بالاتجاهين.
4. الدبلوماسية الشعبية: سياحة الثقافة والتاريخ
لم يغفل الباحث البُعد الإنساني، فالأرقام تشير إلى نمو سياحي لافت تسنده 13 رحلة جوية أسبوعية بين تاشكنت وتبليسي وباتومي. سحر المدن التاريخية الأوزبكية (سمرقند، بخارى، خيوا) بات يجذب السائح الجورجي، وبالمثل أصبحت الطبيعة الجورجية مقصداً للأوزبك، مما يمنح الشراكة السياسية والاقتصادية غطاءً شعبياً دافئاً.
📌 الخلاصة والاستشراف
يختتم المقال برؤية واقعية ومتفائلة؛ العلاقات بين أوزبكستان وجورجيا اليوم تعد نموذجاً حياً لكيفية إعادة صياغة الجغرافيا السياسية والاقتصادية في أوقات التحولات العالمية الكبرى. نجاح هذا الممر الاقتصادي الناشئ يثبت أن “الإرادة السياسية المدعومة بالمصلحة الاقتصادية الحقيقية” قادرة على خلق فضاء متصل ومستدام، يربط قلب آسيا الوسطى بعمق أوروبا، لتصبح الدولتان معاً رقمين صعبين في معادلة اللوجستيات الدولية الجديدة.



