سكرة الرهان الخاسر.. هل تنتظر عروش الخليج جرس الإنذار الأخير؟
تحليل المشهد: بين وهم الحماية الواقعية ونجاعة الجغرافيا

رئيس التحرير يكتب
يقف النظام السياسي والإقليمي في منطقة الخليج اليوم أمام لحظة فارقة تشبه النظر في مرآة حادة الحقائق. إن التمسك المفرط بالتحالف مع المحور الصهيو-أمريكي لم يعد يعكس تحسباً أمنياً بقدر ما يعكس عجزاً عن استيعاب التحولات الجيوسياسية المتسارعة.
1. النموذج العراقي: سحابة الترويج العابر وتفوق الواقع الميداني
يختصر كلام الباحث السياسي العراقي عصام حسين المعادلة بأبسط صورها:
-
الأوهام الدبلوماسية: توقيع 48 اتفاقاً اقتصادياً مع واشنطن يُروج له إعلامياً كفردوس أرضي، لكنه لم يمنح العراقيين مگاوات واحد من الكهرباء.
-
الواقع الحسابي والجغرافي: جولة سريعة مع الجانب الإيراني تحقق نتائج ملموسة تُضاعف ساعات التغذية الكهربائية ثلاث مرات، ودون اشتراطات سياسية تمس السيادة.
هذا النموذج العراقي يقدم درساً مجانياً للخليج: أمريكا تبيع الوعود والأوهام والتصريحات الإعلامية، بينما تدير إيران السياسة بعين على الواقع والجغرافيا والحاجة الفعالة.
2. سقوط أسطورة التكنولوجيا العسكرية الصهيو-أمريكية
أثبتت التطورات الأخيرة أن الرهان على الشماس الدفاعي الأمريكي لحماية المنطقة مجرد أمل زائف:
-
فشل الردع: عجزت أعتى منظومات الدفاع الجوي الأمريكية والإسرائيلية عن اعتراض التطور الصاروخي والمسير الإيراني بفاعلية جازمة.
-
عجز عن تحقيق الأهداف: بعد كل التهويل السياسي، فشل التحالف في تحقيق أي من أهدافه الاستراتيجية الأساسية (سواء تغيير النظام في طهران، أو إضعاف بنيته التحتية، أو تقويض نفوذه الإقليمي).
3. الإبتزاز العلني وصدمة “رسوم الممر”
إن حديث ترامب وغيره من صانعي القرار الأمريكي عن فرامين اقتصادية مثل تحصيل نسبة 20% من السفن العابرة في الممرات والمضائق ليس مجرد شطحات انتخابية، بل هو الإعلان الصريح عن عقيدة “الدفع مقابل الحماية”:
-
استنزاف الثروات: التحالف الأمريكي لا يرعى المصلحة الخليجية بل ينظر للمنطقة كخزانات مالية وموارد طاقة يجب إخضاعها.
-
وهم “إسرائيل الكبرى” والشرق الأوسط الجديد: إعادة ترتيب الإقليم لا تهدف لدمج الخليج كمنافس أو شريك مساوٍ، بل كـ “ممكّن الميزانية” لمشاريع التوسع والسيطرة الإسرائيلية-الأمريكية.
خلاصة القول: هل يصنع الخليج استقلاليته قبل فوات الأوان؟
“الجغرافيا قدر، بينما التحالفات خيار.”
القواعد الأمريكية والقباب الحديدية لن تمنع الجغرافيا من فرض أحكامها. إن إصرار الخليج على التموضع ضد جيرانه لصالح حليف خارجي ينظر له كبقرة حلوب، هو نداء أخير للعودة إلى توازن القوى الداخلي، وبناء أمن إقليمي مشترك يستند إلى المصالح المتبادلة بدلاً من أن تصبح دول المنطقة وقوداً لتصفية الحسابات.



