من أرشيف البنتاغون إلى رماد الإقليم: كيف يرسم الماضي معالم شرق أوسط بلا دول؟

رئيس التحرير يكتب
في وقتٍ تسعى فيه أممُ الأرض لبناء مستقبلها، أطلّت من كواليس العقود الماضية استراتيجياتٌ لم تكن مجرد حبرٍ على ورق، بل خارطة طريق تفكيكية أُعيد بها رسم جغرافيا الشرق الأوسط. إنّ ما كشفت عنه وثيقة “الدول السبع” يُماط اللثام عن تحوّل عسكري وسياسي عميق، جعل من استهداف مفهوم “الدولة الوطنية” المحرك الأساسي لأزمات الإقليم. واليوم، نجد أنفسنا أمام امتدادٍ حيّ لهذه الرؤية، حيث تتصادم صراعات الحاضر مع تخطيط الماضي لتُحدد شكل المستقبل العربي برُمّته.
1. الاستراتيجية الكبرى: هندسة التفكيك بالوكالة
لم تكن المذكرة التي كشف عنها الجنرال ويسلي كلارك إعلاناً عابراً، بل كانت وثيقة عقائدية صيغت في أروقة “المحافظين الجدد”. وبعد الكلفة البشرية والاقتصادية الباهظة لغزو العراق عام 2003، تحولت العقيدة العسكرية الأمريكية نحو أدوات أقل كلفة وأشد تدميراً: إشعال الصراعات البينية، تفريغ المؤسسات السيادية من مضمونها، والإنهاك الاقتصادي المستمر.
2. الدول السبع المستهدفة: من الورق إلى الواقع
أولاً: العراق – سندان التدخل المباشر
-
الماضي: حقل التجارب الأول عام 2003 عبر غزو عسكري مباشر أدى إلى تفكيك مؤسسات الدولة والجيش الوطني، وإرساء محاصصة طائفية.
-
الحاضر: يعاني من توازنات سياسية هشّة ونفوذ متصاعد للفاعلين من غير الدول والتدخلات الخارجية.
-
المستقبل: يواجه خطر الاستمرار كساحة مفتوحة لتصفية الحسابات بدلاً من استعادة دوره كركيزة سيادية بالمنطقة.
ثانياً: سوريا – ساحة الحروب بالوكالة
-
الماضي: تم استهدافها عقب عام 2011 لقطع الجسر الجغرافي بين إيران والشرق الأوسط، وتحويل الحراك السياسي إلى صراع مسلح متعدد الأطراف.
-
الحاضر: بلد مقسّم إلى مناطق نفوذ مع وجود عسكري أجنبي، وبنية تحتية مدمّرة، وحصار اقتصادي خانق.
-
المستقبل: مهددة بتقسيم أمر واقع أو تحولها إلى كانتونات جغرافية تدار كـ “مناطق عازلة”.
ثالثاً: لبنان – الحصار الاقتصادي والمؤسسي
-
الماضي: وُضع على القائمة لاستهداف بيئة الفصائل المسلحة المناهضة للمشاريع الإقليمية والدولية.
-
الحاضر: يمر بانهيار اقتصادي وتاريخي، وفراغ مؤسسي، واستهداف عسكري مباشر على حدوده الجنوبية.
-
المستقبل: يواجه خطر الانهيار الكامل للمؤسسات، مما يفرض إعادة صياغة لنظامه السياسي والطائفي.
رابعاً: ليبيا – تفكيك الساتر الشمال إفريقي
-
الماضي: خضعت لتدخل عسكري مباشر من حلف الناتو عام 2011 أدى لسقوط النظام وتفكك الدولة دون وضع رؤية للاستقرار.
-
الحاضر: انقسام بين سلطتين في الشرق والغرب، وانتشار للميليشيات وتدخلات دولية للاستحواذ على الموارد.
-
المستقبل: صراع مستمر لمنع التفكك النهائي والسيطرة على ثرواتها النفطية وموقعها على المتوسط.
خامساً: الصومال – الفراغ الأمني الدائم
-
الماضي: استُهدف لموقعه الاستراتيجي في القرن الأفريقي، مما أدخله في عقود من غياب السلطة المركزية.
-
الحاضر: مواجهة مستمرة مع الجماعات المسلحة وضغوط على سيادته وشواطئه البحرية.
-
المستقبل: الاستمرار تحت طائلة الهشاشة السياسية والسيطرة الخارجية على مضايقه البحرية.
سادساً: السودان – تفكيك حوض النيل
-
الماضي: تعرض لضغوط هائلة أدت إلى اقتطاع جنوبه عام 2011، وفقدانه لمصادر الطاقة الرئيسية.
-
الحاضر: حرب أهلية واقتتال بين المكونات العسكرية أديا إلى تدمير البنية التحتية ونزوح الملايين.
-
المستقبل: مخاطر حقيقية لمزيد من التفتيت المكتبي والجغرافي بما يهدد أمن البحر الأحمر وحوض النيل.
سابعاً: إيران – الهدف النهائي في السلسلة
-
الماضي: حُددت كـ “الحلقة الأخيرة” والهدف النهائي لإنهاء مسار المذكرة بعد تجريدها من حلفائها الإقليميين.
-
الحاضر: تطويق إقليمي، وعقوبات اقتصادية قصوى، ومواجهات مباشرة وغير مباشرة في حرب الظلال.
-
المستقبل: تمثل نقطة الانفجار المحورية التي سيحدد مآلها التوازن النهائي للقوى في الشرق الأوسط.
3. المستقبل: معالم الشرق الأوسط الجديد
إذا استمر هذا المسار دون مشروع عربي حقيقي يعيد التوازن، فإن مستقبل المنطقة سيتشكل عبر ثلاثة محاور رئيسية:
-
من الدولة الوطنية إلى الكانتونات الطائفية: استبدال مفهوم “الدولة السيدة” بكينات فيدرالية هشة يسهل التلاعب بقرارها.
-
السيطرة على الممرات والتجارة: تحول الصراع من المساحات الأرضية إلى التحكم بالمعابر البحرية الحاكمة (باب المندب، البحر الأحمر، وقناة السويس).
-
عبء الأمن القومي على دول المركز: فرض ضغوط هائلة على الدول المحورية المستقرة بالمنطقة لتلعب دور “المصدات الأمنية” لحماية حدودها من الفوضى العابرة للحدود.
المذكرة لم تكن مجرد وثيقة سرية في أرشيف البنتاغون، بل كانت خارطة طريق تحول فيها الماضي من ورقة استراتيجية إلى حاضر معيش بالدمار، ويرسم مستقبلاً يُعاد فيه تشكيل جغرافيا المنطقة بأكملها.



