
بقلم: الشيخ نور الدين خالق نظر
رئيس إدارة مسلمي أوزبكستان، المفتي
يتجدد في التقويم الهجري شهرٌ ليس كباقي الشهور؛ «ربيع الأول»، الموسم الذي تشرق فيه أرواح المسلمين شوقًا وتعظيمًا، إذ تهبُّ فيه نفحات مولد نبينا الحبيب ﷺ. ولشدة التعلق بذاته الشريفة، سرى في وجدان الأمة تسميته بـ «شهر المولد». غير أن هذا الموسم يتجاوز حدود التذكر العاطفي ليكون محطة لتجديد العهد، فيغدو «شهر السيرة النبوية» و«موسم الأمة المثالية»، حيث تلتقي المعرفة الواعية بالسلوك العملي المستمد من هديه ﷺ في عبادته وأخلاقه ومواقفه الإنسانية.
سؤال المحبة وشرف الانتماء
إن التساؤل المنهجي الذي يفرضه الإيمان على وجدان كل مسلم هو: لماذا نحب رسول الله ﷺ؟
تتضوع الإجابة بدءًا من شرف مكانته؛ فهو سيد الأنبياء والمرسلين، وببركة رسالته نالت الأمة خيريتها: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: 110]. ولم تقف هذه المحبة عند حدود البشر، بل فاضت لتبلغ الأنبياء والملائكة، وتستقر في وجدان الكائنات؛ فها هو الجذع يحن لفراقه، وجبل أُحدٍ ينسكب حبًا لرؤيته. فإذا كان الكون جمادًا وشجرًا يفيض بهذه الأنسية النبوية، فأين موقع القلب المؤمن من هذه المحبة؟
ولأن الفرح بالنبي ﷺ من أسباب الرحمة، فقد روى الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي في «مورد الصادي» ما نُقل عن تخفيف العذاب عن أبي لهب في يوم الاثنين لسروره بمولد النبي ﷺ وإعتاقه لثويبة، وشدا في ذلك قائلًا:
إِذَا كَانَ هَـذَا كَافِرًا جَـاءَ ذِمُّـهُ … وَتَبَّتْ يَـدَاهُ فِيْ الْجَحِـيمِ مُخَـلَّدَاأَتَى أَنَّـهُ فِيْ يَـوْمِ اْلاِثْنَيْنِ دَائِماً … يُخَفَّفُ عَنْهُ لِلسُّـرُوْرِ بِأَحْــمَدَافَـمَا الظَّنُّ بِالْعَبْدِ الَّذِي كَانَ عُمْرُهُ … بِأَحْمَدَ مَسْرُورًا وَمَاتَ مُوَحِّــدَا
تلك المحبة ليست شعورًا عابرًا، بل هي أصل الإيمان ومشكاة الأمل. يقول ﷺ: «لاَ يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَلَدِهِ وَوَالِدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ» (رواه مسلم). وهي الباب الأعظم لرحمة الله يوم القيامة، كما أبشر الأعرابي حين قال للنبي ﷺ: إني أحب الله ورسوله، فقال له: «أَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ» (رواه البخاري).
دلائل المحبة: السيرة والاتباع والذكر
ليست المحبة ادعاءً باللسان، بل هي حقيقة تتجلى في سلوك المسلم عبر ثلاثة معالم رئيسية:
-
تدبر السيرة النبوية: السيرة هي المرجع العملي لفهم الإسلام، وهي المحرك الذي يغذي الحب بالمعرفة؛ قال تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ﴾ [الحجرات: 7]. ومن هنا نشأت كتب المولد والمختصرات التاريخية؛ لتقريب هذا الهدي إلى الناس وتحويل المعرفة إلى واقع معيش.
-
الاتباع والتأسي بالسنّة: لا تستقيم المحبة إلا بالانقياد؛ فالصادق في حبه مطيعٌ لمن يحب:لَوْ كانَ حُبُّكَ صَادِقاً لأَطَعْتَهُ … إنَّ الْمُحِبَّ لِمَنْ يُحِبُّ مُطِيعُوقد بعثه الله تتمةً لمكارم الأخلاق، وجعل اتباعه الشرط الأساسي لنيل المحبة الإلهية: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران: 31].
-
الإكثار من الصلاة والسلام عليه: استجابة للأمر الإلهي: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56]. فالصلاة عليه تعمّر القلب بذكره. وقد أورد البخاري في «الأدب المفرد» أن رجل ابن عمر رضي الله عنهما خَدِرَت، فقيل له: اذكر أحب الناس إليك، فنادى: “محمد!”، فقام ومشى. وهكذا كان ذكره ﷺ ترياقًا للنفوس وحياةً للقلوب.
السيرة النبوية.. منهج حياة ومستقبل أمة
إن شهر ربيع الأول فرصة سانحة للخروج بالسيرة النبوية من إطار المناسبات الاحتفالية إلى آفاق المشروع التربوي والمجتمعي. فليست السيرة مجرد تواريخ وغزوات يُحفظ سردها، بل هي مدرسة للحكمة، والصبر، والرحمة بالضعفاء، والعدل، والإحسان.
إن أمتنا اليوم، وهي تسعى لشهودها الحضاري، محتاجة إلى إحياء هذا النموذج النبوي داخل كل أسرة ومؤسسة تعليمية. فالمحبة عهدٌ يُترجم، وربيع الأول هو البداية المتجددة للاقتداء بالمثل الأعلى، سيدنا محمد ﷺ.



