
رئيس التحرير يكتب
تتكرر المشاهد الدبلوماسية في نيويورك مع انطلاق أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة كل خريف، لكن التفاصيل الكامنة خلف الكواليس والمقاعد القاعية تحمل دلالاتٍ أعمق من البيان الختامي الذي يُتلى عقب كل اجتماع. الاجتماع التشاوري السنوي لمجلس جامعة الدول العربية على المستوى الوزاري — الذي عقد برئاسة تونس وبحضور الأمين العام للجامعة نبيل فهمي — لم يكن استثناءً؛ بل جاء ليعكس تباينًا صريحًا في مستوى الانخراط السياسي العربي تجاه القضايا المصيرية المشتعلة.
على طاولة البحث، كانت الأجندة حافلة وقاسية: انتهاكات متصاعدة في الأراضي الفلسطينية المحتلة، أوضاع متفجرة في لبنان وسوريا، تهديدات تطال الملاحة البحرية في البحر الأحمر ومضيق هرمز، وتحديات أمنية تمس سيادة دول الخليج والأردن والعراق. ورغم حدة هذه الملفات ورسائلها المباشرة للأمن القومي العربي، كان القارئ للمشهد القاعي يستشعر حضورًا متفاdoubleًا، وتفاوتًا لافتًا في مستويات التمثيل بين الدول الأعضاء.
ولعل الأبرز في هذا السياق هو التمثيل المنخفض لدولة الإمارات العربية المتحدة، التي اكتفت بتمثيل دبلوماسي على مستوى رؤساء الوفود بدلاً من الحضور الوزاري الأرفع، وهو أمر لا يمكن قراءته خارج إطار التحفظات أو التباينات الحاصلة في الرؤى بشأن التعاطي مع عدد من ملفات المنطقة. إن خفض مستوى التمثيل الإماراتي في مثل هذه اللقاءات التشاورية يبعث برسائل سياسية غير خافية؛ تشير إلى وجود قناعات متباينة حول جدوى المخرجات التقليدية لجامعة الدول العربية، أو تفضيل مسارات تفاوضية وثنائية أكثر مرونة بعيدًا عن مظلة البيانات الجماعية.
إن هذا التباين في الحضور يطرح سؤالاً جوهريًا حول مدى قدرة المؤسسة العربية على صياغة “موقف موحد” يستطيع التأثير الحقيقي في أروقة المنظمة الدولية. فحين تغيب القيادات الدبلوماسية لبعض القوى الإقليمية المؤثرة عن جلسات التنسيق، تضعف فاعلية التحرك الجماعي، وينعكس ذلك على قدرة المجموعة العربية في فرض أولوياتها على جدول الأعمال العالمي.
لقد شدد الأمين العام نبيل فهمي خلال الاجتماع على أهمية استمرار التشاور وصيانة الأمن القومي العربي، وهو موقف مبدئي لا خلاف عليه. غير أن الواقع يفرض مواجهة حقيقة مؤلمة: التنسيق العربي لم يعد يحتاج إلى مزيد من الاجتماعات الأشكالية، بل إلى إرادة سياسية تتجاوز التباينات الداخلية.
إن صون الملاحة في البحر الأحمر، وتوفير حماية حقيقية للشعب الفلسطيني، والتصدّي للتدخلات والإعتداءات الإقليمية، تظل كلها غايات تتطلب ثقلاً دبلوماسيًا مكتمل الأركان. وبدون مشاركة كاملة وعالية المستوى من كافة الأطراف الفاعلة — وفي مقدمتها دول الخليج — ستظل هذه اللقاءات التشاورية مجرد إيقاع روتيني يتكرر على هامش عمومية نيويورك، دون أن يحدث الفارق المطلوب في موازين القوى الدولية.



