من طهران إلى واشنطن وتل أبيب.. حين ارتدّت نيران الحرب على صُنّاعها وسقط رهان إخضاع إيران
قراءة سياسية في صمود الدولة الإيرانية، وتراجع معسكري نتنياهو وترامب انتخابياً، ورسائل المواجهة إلى النظام العربي والإسلامي والدولي

رئيس التحرير يكتب
في مواجهة كشفت حدود القوة العسكرية الأمريكية والإسرائيلية، قدم الصمود الإيراني درساً استراتيجياً في حماية سيادة الدول ورفض إخضاعها بالإكراه. وبين تداعيات الحرب على نتنياهو وترامب، تبرز أسئلة مصيرية أمام النظام العربي والخليجي والإسلامي والدولي: هل آن أوان استقلال القرار والتمرد على الهيمنة والعقوبات الأحادية، وبناء نظام عالمي أكثر عدلاً وتوازناً؟ لم تكن المواجهة العسكرية بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، مجرد جولة جديدة من جولات الصراع في الشرق الأوسط، بل تحولت إلى اختبار استراتيجي كبير لموازين القوة، وحدود التفوق العسكري، وقدرة الدول على الصمود أمام الضغوط والحصار والتهديدات والحروب المفتوحة. وبغض النظر عن حجم الخسائر التي تكبدتها الأطراف، فإن التطورات السياسية والعسكرية المتلاحقة تفرض قراءة مختلفة لنتائج هذه المواجهة؛ إذ لم تحقق الضربات الأمريكية والإسرائيلية، حتى الآن، الأهداف السياسية القصوى التي ارتبطت بإخضاع إيران أو إنهاء نظامها السياسي، بينما انتقلت تداعيات الحرب إلى الداخل الأمريكي والإسرائيلي. من أبرز الدلالات الاستراتيجية للحرب أن إيران، رغم تعرضها لضربات عسكرية واسعة استهدفت منشآتها العسكرية والنووية وقياداتها ومواقعها الحيوية، لم تنهَر مؤسسات دولتها، ولم يتحقق هدف إسقاط نظامها السياسي. لقد راهنت واشنطن وتل أبيب على أن التفوق الجوي والتكنولوجي والقدرات العسكرية الهائلة كفيلة بفرض واقع سياسي جديد على طهران، لكن استمرار مؤسسات الدولة الإيرانية، ومواصلة قدراتها العسكرية الرد على الهجمات، أظهر أن القوة العسكرية وحدها لا تضمن تحقيق الأهداف السياسية. وهنا تتجلى إحدى أهم دلالات الصمود الإيراني: ليس بالضرورة أن تنتصر الدولة في كل معركة ميدانية حتى تمنع خصومها من تحقيق أهدافهم الاستراتيجية. جاءت الانتخابات الأمريكية في الثالث من نوفمبر 2026 لتكشف عن تحول سياسي بالغ الأهمية؛ إذ تمكن الحزب الديمقراطي من انتزاع السيطرة على مجلسي النواب والشيوخ، في انتكاسة انتخابية ثقيلة للجمهوريين، وفي رسالة سياسية إلى إدارة الرئيس دونالد ترامب. ولم تكن الحرب مع إيران العامل الوحيد وراء هذه النتائج، فقد تداخلت معها أزمات المعيشة وارتفاع الأسعار ومخاوف الناخبين بشأن الاقتصاد وإدارة الملفات الداخلية. لكن الحرب وتكاليفها ومخاطر استمرارها كانت من بين القضايا التي أثرت في المزاج الانتخابي الأمريكي. لقد وجد ترامب نفسه أمام معادلة صعبة: حرب مكلفة، وتحديات اقتصادية، ومعارضة سياسية متصاعدة، وكونغرس باتت المعارضة الديمقراطية تسيطر على مجلسيه. وهذا التطور لا يعني سقوط ترامب من الرئاسة، لكنه يمثل انتكاسة سياسية واضحة، ويضع إدارته أمام رقابة تشريعية أكثر صرامة. أما في إسرائيل، فقد حملت انتخابات الكنيست التي جرت في السابع والعشرين من أكتوبر 2026 تطوراً لا يقل أهمية، مع تراجع معسكر نتنياهو وعدم تحقيقه الأغلبية اللازمة لتشكيل الحكومة. إن خسارة نتنياهو للأغلبية البرلمانية تمثل تحولاً سياسياً بالغ الدلالة، وتضع مستقبله السياسي أمام اختبار صعب. لا يمكن تناول تداعيات المواجهة الإيرانية الأمريكية الإسرائيلية دون العودة إلى غزة، التي ظلت شاهدة على واحدة من أكثر الكوارث الإنسانية قسوة في التاريخ المعاصر. فمنذ أكتوبر 2023، تعرض القطاع لعمليات عسكرية إسرائيلية واسعة، شملت القصف والتدمير والتهجير والحصار، واستهداف المنشآت الصحية والبنية التحتية، فضلاً عن انهيار مقومات الحياة الأساسية لمئات الآلاف من الفلسطينيين. وأصدرت المحكمة الجنائية الدولية في 21 نوفمبر 2024 مذكرتي توقيف بحق بنيامين نتنياهو ووزير دفاعه السابق يوآف غالانت، على خلفية اتهامات تتعلق بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، من بينها التجويع كأسلوب من أساليب الحرب. إن المأساة الفلسطينية لم تكن مجرد خلفية للحرب الإقليمية، بل أصبحت أحد أهم الاختبارات الأخلاقية والقانونية والسياسية للمجتمع الدولي، وللدول التي وفرت الدعم العسكري والسياسي للحكومة الإسرائيلية. وكان الدعم الأمريكي لإسرائيل، سياسياً وعسكرياً، عنصراً أساسياً في استمرار قدرتها على مواصلة عملياتها، الأمر الذي يطرح تساؤلات جدية حول مسؤولية القوى الداعمة عن ضمان احترام القانون الدولي الإنساني. ومن أخطر جوانب المواجهة أن المسار العسكري تخللته محاولات لوقف الحرب والتوصل إلى تفاهمات، أعقبتها عودة العمليات العسكرية وانهيار التفاهمات المؤقتة. إن تكرار الانتقال من طاولة المفاوضات إلى التصعيد العسكري يضرب الثقة الضرورية لأي تسوية، ويجعل السؤال الجوهري أمام المجتمع الدولي: كيف يمكن بناء اتفاق مستدام إذا لم تكن هناك ضمانات حقيقية لاحترام الالتزامات؟ إن استمرار الاعتداءات العسكرية خلال المسارات التفاوضية يضع مصداقية التعهدات الدولية أمام اختبار حقيقي، ويؤكد أن السلام لا يمكن أن يقوم على التهديد المستمر أو فرض الشروط بالقوة. إن أهم ما ينبغي استخلاصه من هذه المواجهة هو أن التفوق العسكري لا يعني امتلاك القدرة المطلقة على فرض الإرادة السياسية. فإيران دولة ذات مساحة جغرافية واسعة، وموارد استراتيجية، وقدرات صاروخية وعسكرية، وموقع جيوسياسي شديد الأهمية، فضلاً عن امتلاكها أوراق ضغط مرتبطة بمضيق هرمز وأمن الطاقة والتجارة العالمية. وقد أظهرت الحرب أن أي مواجهة واسعة مع إيران لا يمكن أن تظل محصورة في حدودها الجغرافية، بل يمكن أن تتحول إلى أزمة إقليمية ودولية تؤثر في أسواق النفط والملاحة البحرية والاستقرار الاقتصادي العالمي. إجبار دولة على التفاوض شيء، وإجبارها على الاستسلام شيء آخر تماماً. ومن هنا يمكن فهم أهمية الموقف الإيراني الذي تمسك بربط أي تسوية بضمانات وقف الأعمال العدائية ورفع العقوبات ومعالجة القضايا العالقة، بدلاً من القبول بتسوية تفرضها القوة العسكرية وحدها. إن الدرس الذي تفرضه المواجهة الإيرانية لا ينبغي أن يظل حبيس طهران أو واشنطن أو تل أبيب، بل يجب أن يصل إلى كل عاصمة عربية وخليجية وإسلامية، وإلى أروقة النظام الدولي بأسره. فإذا كانت إيران، بما واجهته من حصار وعقوبات وضغوط واعتداءات عسكرية، قد استطاعت الحفاظ على مؤسسات دولتها ومواصلة الدفاع عن مصالحها، فإن ذلك يطرح سؤالاً مصيرياً أمام الأنظمة العربية والإسلامية: لماذا لا تتحول هذه التجربة إلى حافز لبناء استقلال استراتيجي حقيقي، بعيداً عن الارتهان لأي قوة خارجية؟ إن دول الخليج العربي تمتلك من الثروات والقدرات الاقتصادية والجغرافية والاستراتيجية ما يؤهلها لأن تكون شريكاً مستقلاً في صياغة مستقبل المنطقة، لا مجرد ساحة لتصفية الحسابات الدولية، أو طرفاً يتأثر بقرارات القوى الكبرى دون أن يكون له دور مؤثر في صناعتها. الأمن الخليجي والعربي لا ينبغي أن يكون رهينة التوازنات الأمريكية الإسرائيلية، كما أن أمن إيران لا ينبغي أن يكون ذريعة لتهديد أمن جيرانها. المطلوب هو بناء منظومة أمن إقليمي تقوم على احترام السيادة، وعدم الاعتداء، والتعاون الاقتصادي والعسكري، وتسوية الخلافات بالحوار. أما النظام الإسلامي، فإنه أمام فرصة تاريخية لإعادة اكتشاف مفهوم التضامن الحقيقي؛ فليس التضامن بيانات شجب وإدانة، وإنما تعاون اقتصادي، وتكامل علمي وتكنولوجي، وتنسيق دبلوماسي، ومواقف مشتركة تجاه العدوان والاحتلال والعقوبات التي تستهدف الشعوب. والسؤال الأكثر إلحاحاً يتجه إلى النظام الدولي: هل يظل أسير سياسة العقوبات الأحادية التي تستخدمها واشنطن أداة للضغط على الدول، أم يتجه إلى بناء نظام متعدد الأقطاب يحترم استقلال القرار الوطني؟ لقد استخدمت الإدارات الأمريكية المتعاقبة العقوبات الاقتصادية والمالية وسيلة للتأثير في سياسات الدول، ومن بينها إيران. وتثير العقوبات الأمريكية الأحادية، ولا سيما العقوبات ذات الأثر خارج الحدود الأمريكية، إشكاليات قانونية وسياسية تتعلق بالسيادة وحرية التجارة ومبادئ القانون الدولي. ومن هنا، فإن المطلوب من القوى الدولية، وفي مقدمتها الصين وروسيا والاتحاد الأوروبي ودول الجنوب العالمي، ليس بالضرورة اتخاذ موقف موحد في كل الملفات الإيرانية، وإنما الدفاع عن حق الدول في التجارة المشروعة، ورفض تحويل النظام المالي العالمي إلى أداة احتكار سياسي، والعمل على إيجاد آليات مالية وتجارية تقلل من آثار العقوبات الأحادية. فهل تملك هذه القوى الإرادة السياسية لتجاوز سياسة الخضوع للضغوط الأمريكية؟ وهل تستطيع المؤسسات الدولية أن تحمي قواعد التجارة الدولية من الاستخدام الانتقائي للعقوبات؟ إن التمرد على الهيمنة لا يعني استبدال هيمنة بأخرى، ولا يعني منح أي دولة حصانة من المساءلة الدولية، وإنما يعني إقامة نظام عالمي تتساوى فيه الدول في الحقوق والواجبات، وتُحترم فيه سيادتها، ولا تُعاقب شعوبها جماعياً بسبب خلافات سياسية مع القوى الكبرى. لقد آن الأوان لأن تنتقل العواصم العربية والإسلامية من موقع المتلقي إلى موقع الشريك في صناعة القرار الدولي. فلا كرامة سياسية دون استقلال القرار، ولا أمن مستدام دون توازن إقليمي، ولا نظام دولي عادل إذا ظلت القواعد تُطبق على الضعفاء وتُستثنى منها القوى الكبرى. إن الرسالة التي ينبغي أن تصل إلى الجميع هي أن زمن القطب الواحد يواجه تحديات متزايدة، وأن مستقبل العالم لن تصنعه القوة العسكرية وحدها، بل الشراكات المتكافئة، والعدالة، واحترام سيادة الدول وحقوق الشعوب. لم تعد نتائج الحرب تقاس بعدد الطائرات أو الصواريخ أو المواقع التي تعرضت للقصف، وإنما باتت تقاس أيضاً بمدى قدرة القيادات السياسية على الاحتفاظ بثقة شعوبها ومؤسساتها. ففي الولايات المتحدة، أفرزت الانتخابات كونغرساً جديداً تسيطر عليه المعارضة في مجلسيه، بما يحد من قدرة ترامب على تمرير أجندته التشريعية دون مواجهة سياسية ومؤسسية. وفي إسرائيل، فقد نتنياهو أغلبيته البرلمانية، وواجهت حكومته تراجعاً سياسياً واضحاً، بالتزامن مع استمرار الجدل حول إخفاقات الأمن والحرب ومستقبل العلاقات مع الولايات المتحدة. وهنا تبرز المفارقة: الحرب التي كان يُفترض أن تعزز مواقع القيادات التي تبنتها، أصبحت جزءاً من البيئة السياسية التي شهدت تراجع معسكر ترامب في واشنطن ومعسكر نتنياهو في تل أبيب. ولا يمكن اختزال نتائج الانتخابات في عامل واحد، لكن من الصعب أيضاً تجاهل أن الحرب مع إيران أصبحت أحد الملفات التي دفعت الناخبين الأمريكيين إلى محاسبة إدارة ترامب، وأن نتائج الانتخابات الإسرائيلية أظهرت تراجعاً في دعم الائتلاف الحاكم بصيغته السابقة. إن ما جرى ويجري في المنطقة يقدم درساً مهماً في العلاقات الدولية: لا يمكن بناء الأمن الإقليمي على إخضاع الدول، ولا يمكن ضمان استقرار الشرق الأوسط عبر الحروب المفتوحة أو تجاهل الحقوق الوطنية للشعوب. لقد أظهرت إيران، رغم الخسائر الهائلة، قدرة على البقاء والمواجهة، وأثبتت أن تغيير الأنظمة السياسية ليس نتيجة آلية للقصف الجوي أو العقوبات الاقتصادية. كما أظهرت الانتخابات الأمريكية والإسرائيلية أن الحروب الخارجية يمكن أن ترتد بتكاليف سياسية على القيادات التي تتبناها، عندما تتراكم الأعباء الاقتصادية والأمنية والإنسانية. إن الصمود الإيراني يمثل، في هذه القراءة، مكسباً سياسياً واستراتيجياً في مواجهة هدف الإخضاع، لكنه لا يلغي ضرورة مراجعة نتائج الحرب وخسائرها، ولا يجعل كل خيارات طهران بمنأى عن النقد أو التقييم. أما غزة، فستظل القضية المركزية التي تكشف حقيقة ازدواجية المعايير الدولية، وتختبر صدقية الشعارات المتعلقة بحقوق الإنسان والعدالة والقانون الدولي. لقد كشفت الحرب أن القوة لا تكفي وحدها لصناعة الشرعية، وأن التفوق العسكري لا يضمن النصر السياسي، وأن صناديق الاقتراع قد تفتح جبهة للمحاسبة لا تستطيع الصواريخ إغلاقها. والشرق الأوسط اليوم في حاجة إلى مرحلة جديدة، عنوانها احترام السيادة، وإنهاء الاحتلال، ووقف الاعتداءات، وضمان أمن شعوب المنطقة دون استثناء، وإقامة نظام إقليمي أكثر توازناً وعدالة. فالتاريخ لا يسجل فقط من أطلق الصاروخ الأول، بل يسجل أيضاً من تحمل المسؤولية عن الحرب، ومن دفع ثمنها، ومن استطاع أن يمنع تحويل الهزيمة العسكرية إلى استسلام سياسي.إيران.. دولة لم تسقط تحت القصف
ترامب ونتنياهو.. من الرهان العسكري إلى الاختبار الانتخابي
غزة.. الجرح الذي لا تستطيع الدعاية السياسية إخفاءه
الاعتداء على إيران.. مأزق الثقة في المفاوضات
إيران ومعادلة الردع.. حدود القوة الأمريكية والإسرائيلية
من طهران إلى العواصم العربية والإسلامية.. هل آن أوان التمرد على الهيمنة؟
واشنطن وتل أبيب.. فاتورة سياسية تتجاوز ميادين القتال
الخلاصة.. لا سلام تصنعه الصواريخ وحدها



