رأى

أوزبكستان في الأمم المتحدة.. من إصلاح الداخل إلى صناعة أجندة العالم

Listen to this article

رئيس التحرير يكتب

تعليقًا على مقال جهانجير إيساييف، رئيس قسم في منظمة «مركز التنمية المستدامة»، حول أوزبكستان والأمم المتحدة، يبرز بوضوح التحول اللافت في حضور طشقند على الساحة الدولية: من دولة تتفاعل مع الأجندة العالمية إلى دولة تسعى بصورة متزايدة إلى طرح مبادرات يمكن أن تسهم في تشكيلها.

ويكشف المقال أن المشاركة الأوزبكية في الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة لا يمكن قراءتها باعتبارها مجرد حضور دبلوماسي تقليدي، وإنما باعتبارها امتدادًا لمسار أوسع يربط الإصلاحات الداخلية، والتعاون في آسيا الوسطى، والمسؤولية الدولية، والبحث عن حلول للتحديات العالمية.

وفي قلب هذه الرؤية تبرز كرامة الإنسان باعتبارها معيارًا للقوة، والسلام والحوار وحسن الجوار باعتبارها أدوات للتعامل مع عالم يواجه صراعات متواصلة، وتوترات جيوسياسية، وتغيرًا مناخيًا، وتحولات ديموغرافية، وفجوة تكنولوجية متسارعة.

ومن هنا تكتسب التجربة الأوزبكية أهمية تتجاوز حدودها الوطنية، خصوصًا في ملفات مثل بحر آرال، والمرونة الديموغرافية، والذكاء الاصطناعي، والتنمية المستدامة، والتعاون الإقليمي، وإصلاح منظومة العمل متعدد الأطراف.

كرامة الإنسان.. من الإصلاح الداخلي إلى الدبلوماسية الدولية

تبدو الفكرة المركزية في الطرح الأوزبكي واضحة: قوة الدولة لا تُقاس فقط بحجم اقتصادها أو قدراتها العسكرية، وإنما بقدرتها على حماية كرامة الإنسان وحقوقه ومصالحه.

وهنا تلتقي السياسة الداخلية بالسياسة الخارجية. فما تقدمه أوزبكستان في المحافل الدولية يرتبط بصورة مباشرة بمسار الإصلاحات التي تقول إنها نفذتها خلال العقد الأخير في مجالات التعليم والصحة والحماية الاجتماعية والحد من الفقر وتمكين المرأة.

وبهذا المعنى، فإن الإنسان يصبح نقطة الالتقاء بين التنمية الوطنية والمسؤولية الدولية.

الأمم المتحدة.. من إدارة الأزمات إلى منعها

وتتضمن الرؤية الأوزبكية تصورًا لدور الأمم المتحدة يتجاوز مجرد مناقشة الأزمات بعد اندلاعها، إلى العمل على منع الصراعات، وضمان تنفيذ القرارات، وتعزيز تمثيل الدول داخل المنظومة متعددة الأطراف.

كما يأتي دعم أوزبكستان لمبادرة إصلاح الأمم المتحدة المعروفة باسم الأمم المتحدة 80، إلى جانب تأييدها توسيع عضوية مجلس الأمن، في سياق أوسع من النقاش الدولي حول قدرة المؤسسات متعددة الأطراف على مواكبة التحولات التي شهدها العالم.

فالعالم يتغير، بينما لا تزال أجزاء كبيرة من البنية المؤسسية الدولية تعكس توازنات تاريخية لم تعد بالضرورة مطابقة للواقع الراهن.

آسيا الوسطى.. عندما يصبح الجار شريكًا

من أهم ما يلفت الانتباه في التجربة التي يعرضها المقال التحول في علاقات دول آسيا الوسطى.

فبعد عقود من الخلافات حول الحدود والمياه والمصالح الاقتصادية، تبرز اليوم رؤية تقوم على أن الدول المجاورة ليست مصادر للتهديد، بل شركاء في بناء المصالح المشتركة.

وهنا لا تقدم أوزبكستان تجربتها باعتبارها وصفة جاهزة للعالم، وإنما باعتبارها تجربة إقليمية يمكن الاستفادة منها في إعادة بناء الثقة وتسوية الخلافات بالحوار والتفاوض.

وهذه ربما إحدى أهم الرسائل التي يمكن أن تحملها آسيا الوسطى إلى النظام الدولي: أن الثقة السياسية يمكن أن تتحول إلى تعاون اقتصادي وتنموي عندما تتوافر الإرادة السياسية.

أفغانستان.. التنمية في مواجهة العزلة

وفي الملف الأفغاني، تنطلق الرؤية الأوزبكية من فكرة أن عزل أفغانستان لا يحل مشكلاتها.

فربط البلاد بمشروعات النقل والطاقة والتجارة الإقليمية يمكن أن يفتح أبوابًا اقتصادية تساعد على بناء الاستقرار طويل الأمد.

ومن هنا تتحول التنمية الاقتصادية إلى إحدى أدوات السياسة الأمنية، ويصبح فتح طرق التجارة والطاقة جزءًا من البحث عن السلام.

بحر آرال.. من مأساة بيئية إلى مختبر عالمي

ربما تكون قضية بحر آرال من أكثر الملفات تعبيرًا عن فلسفة أوزبكستان الجديدة.

فالبحر الذي أصبح رمزًا عالميًا للكارثة البيئية يمكن أن يتحول، وفق الرؤية المطروحة، إلى مختبر للحلول البيئية والتشجير وإدارة المياه والطاقة المتجددة والتكيف مع تغير المناخ.

وهنا تنتقل أوزبكستان من تدويل المشكلة إلى محاولة تدويل الحل.

وهذه نقلة مهمة في التفكير الدبلوماسي: ألا تكتفي الدولة بعرض أزمتها على المجتمع الدولي، وإنما تقدم أرضها وتجربتها مجالًا لاختبار حلول يمكن أن تستفيد منها دول أخرى.

الديموغرافيا.. الاستثمار في الإنسان قبل عدّ السكان

ومن الملفات الجديدة التي تطرحها أوزبكستان بقوة مفهوم المرونة الديموغرافية.

فالتغير في عدد السكان وتركيبتهم العمرية وتوزيعهم الجغرافي يفرض تحديات على التعليم والصحة وسوق العمل والبنية الأساسية والضمان الاجتماعي.

لكن القضية لا تتعلق بالأرقام وحدها.

السكان يصبحون ثروة عندما تتحول طاقاتهم إلى تعليم ومهارات وصحة وفرص عمل وحياة كريمة.

ولهذا فإن الاستثمار في الأطفال والشباب، وتحقيق التوازن بين الأسرة والعمل، وتوفير الرعاية، وتمكين المرأة، كلها عناصر أساسية في بناء القدرة على مواجهة التحولات الديموغرافية.

ومن هنا يبدو طرح هذا الملف في الأمم المتحدة محاولة لربط التجربة السكانية الأوزبكية بالنقاش العالمي حول مستقبل رأس المال البشري.

الذكاء الاصطناعي.. لمن تكون التكنولوجيا؟

وفي مواجهة الصعود المتسارع للذكاء الاصطناعي، تطرح أوزبكستان سؤالًا بالغ الدلالة:

هل تخدم التكنولوجيا الإنسان، أم يصبح الإنسان مضطرًا إلى التكيف معها؟

السؤال يتجاوز التقنية إلى قضايا الحقوق والحريات والتعليم والعمل والأمن وتكافؤ الفرص.

ومن ثم فإن أي نقاش دولي حول الذكاء الاصطناعي لا يمكن أن ينفصل عن سؤال المسؤولية الإنسانية.

فالتكنولوجيا يمكن أن تقلص الفوارق إذا أُتيح الوصول إليها بصورة عادلة، لكنها قد توسعها إذا أصبحت المعرفة والقدرات التقنية حكرًا على مجموعة محدودة من الدول والمجتمعات.

سيادة القانون وتمكين المرأة

ويضع الطرح الأوزبكي كذلك سيادة القانون وثقة المجتمع في القضاء وتمكين المرأة ضمن عناصر التحول الوطني.

وتشير المادة إلى إجراءات تتعلق بمكافحة عمالة الأطفال والعمل القسري، وتعزيز المساءلة عن العنف الأسري، ودعم ريادة الأعمال النسائية.

وهنا تظهر رؤية تعتبر أن التنمية الاقتصادية وحقوق الإنسان وسيادة القانون ليست مسارات منفصلة، وإنما عناصر متكاملة في بناء الدولة الحديثة.

التنوير والتسامح.. أمن بلا مدافع

وفي عالم تستطيع فيه التكنولوجيا الحديثة نشر المعرفة بسرعة هائلة، لكنها تستطيع كذلك نشر الكراهية والصور النمطية، تقدم أوزبكستان مفهومًا أوسع للأمن يقوم أيضًا على التعليم والثقافة والحوار بين الأديان والتسامح ومقاومة الأفكار الهدامة.

ومن هذا المنطلق يأتي مركز الحضارة الإسلامية في طشقند بوصفه، وفق الطرح الأوزبكي، مساحة للمعرفة والفكر وإحياء التراث، وليس مجرد مؤسسة لعرض التاريخ.

وهنا تصبح الثقافة جزءًا من الدبلوماسية، ويصبح التنوير أحد أدوات السلام.

من الحوار إلى الشراكة المؤسسية

وتكتسب لقاءات الوفد الأوزبكي مع مسؤولي الأمم المتحدة أهمية لأنها تربط المبادرات السياسية بالتعاون العملي في مجالات التنمية المستدامة ورأس المال البشري والبيئة وحقوق الإنسان والأمن الإقليمي والتكنولوجيا.

وهكذا لا تبدو الملفات المختلفة مجرد جزر منفصلة، وإنما أجزاء من تصور واحد يقوم على ربط التنمية الوطنية بالاستقرار الإقليمي والمسؤولية العالمية.

من المبادرة إلى الأثر

وهنا يصل المقال إلى النقطة الأكثر أهمية.

قيمة المبادرات الدولية لا تُقاس بعددها، وإنما بقدرتها على صناعة نتائج ملموسة.

فنجاح التعاون في آسيا الوسطى يجب أن يظهر في التجارة والنقل والطاقة والمياه.

ونجاح المبادرات الخاصة ببحر آرال يجب أن يظهر في حياة السكان والبيئة.

ونجاح مفهوم المرونة الديموغرافية يجب أن ينعكس على التعليم والصحة والعمل والحماية الاجتماعية.

أما مبادرات الذكاء الاصطناعي، فينبغي أن تنتقل من المبادئ العامة إلى آليات عملية تحمي الإنسان دون إيقاف التطور التكنولوجي.

وهنا تحديدًا تتضح دلالة العنوان:

من المبادرات الوطنية إلى الأجندة العالمية.

فالتجربة الوطنية تتحول إلى فكرة دولية، والفكرة إلى مبادرة، والمبادرة إلى قرار متعدد الأطراف، والقرار إلى نتيجة يشعر بها الإنسان في حياته اليومية.

أوزبكستان.. دبلوماسية تبحث عن المستقبل

إن القراءة المتأنية لمقال جهانجير إيساييف تكشف أن أوزبكستان تسعى إلى تقديم نفسها في الأمم المتحدة ليس فقط بوصفها دولة تنفذ إصلاحات داخلية، وإنما بوصفها شريكًا في صياغة إجابات جماعية على أسئلة المستقبل.

من آسيا الوسطى إلى أفغانستان، ومن بحر آرال إلى التحولات الديموغرافية، ومن حقوق الإنسان إلى الذكاء الاصطناعي، تتكرر الفكرة نفسها:

لا يمكن فصل مستقبل الدولة عن مستقبل محيطها، ولا يمكن فصل مستقبل المنطقة عن مستقبل العالم.

ولهذا فإن الانفتاح، وحسن الجوار، والحوار، وكرامة الإنسان، ليست في هذه الرؤية مجرد مفردات دبلوماسية، وإنما أدوات لبناء جسور بين الإصلاح الوطني والمسؤولية الدولية.

وفي أوزبكستان.. حين يصبح المستقبل طريقًا لا محطة

ربما تكمن خصوصية التجربة الأوزبكية في أنها لا تنظر إلى الإصلاح باعتباره صفحة تُطوى، ولا إلى الدبلوماسية باعتبارها مقعدًا في قاعة دولية، بل باعتبارهما طريقًا مفتوحًا نحو المستقبل.

من أرضٍ كانت تحمل جرح بحر آرال، تنبت اليوم أشجار الأمل.

ومن قلب آسيا الوسطى، التي عرفت يومًا خلافات الحدود والمياه، ترتفع لغة الجوار والتعاون.

ومن مجتمع شاب، تتشكل رؤية تجعل الإنسان رأس مال المستقبل، لا مجرد رقم في إحصاء.

ومن طشقند إلى نيويورك، تمتد جسور جديدة بين التنمية والسلام، وبين المعرفة والكرامة، وبين الإصلاح الوطني والمسؤولية العالمية.

وهكذا تبدو الرسالة الأوزبكية في الأمم المتحدة وكأنها تقول إن العالم لا يحتاج دائمًا إلى أصوات أعلى، بقدر ما يحتاج إلى أفكار أكثر إنسانية، وجسور أكثر اتساعًا، وإرادة أكثر قدرة على تحويل الاختلاف إلى تعاون.

أوزبكستان لا تضع تجربتها في نهاية الطريق، بل تضعها على بدايته؛ لا تقدم الماضي باعتباره مجدًا مكتملًا، وإنما تحوّله إلى بذرة لمستقبل أكثر رحابة.

وفي زمن تتكاثر فيه الجدران بين الدول، تختار طشقند أن تبني الجسور؛
وفي زمن تتراجع فيه الثقة، تراهن على الحوار؛
وفي زمن تتسارع فيه التكنولوجيا، تعيد الإنسان إلى قلب المعادلة.

من سمرقند وطشقند إلى نيويورك، لا تبدو الرسالة مجرد مبادرة دبلوماسية، بل قصيدة سياسية هادئة تقول: إن المستقبل لا يُنتظر… بل يُبنى، وأن كرامة الإنسان هي البوصلة، والحوار هو الطريق، والسلام هو الأفق.

اترك تعليقاً

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى