رأىسلايدر

الجزيرة في اختبار الحقيقة.. من حرب إيران إلى تحولات الخليج وتبديل الوجوه وتراجع الثقة الجماهيرية؟!

ثلاثون عاماً على انطلاق الجزيرة.. هل ما زالت الحقيقة هي البوصلة؟

Listen to this article
رئيس التحرير يكتب

بعد ثلاثة عقود على انطلاق قناة الجزيرة عام 1996، تجد الشبكة نفسها أمام اختبار جديد يتجاوز حدود المنافسة الإعلامية التقليدية، ليصل إلى جوهر هويتها المهنية، ومصداقية خطابها، ومدى قدرتها على الاحتفاظ بثقة جمهور عربي ودولي بات أكثر حساسية تجاه ازدواجية المعايير، وأكثر قدرة على المقارنة بين الشاشات والمنصات ومصادر الأخبار.

لم تكن الجزيرة، منذ انطلاقتها، مجرد قناة إخبارية جديدة في المشهد العربي؛ فقد ارتبط اسمها بشعار «الرأي والرأي الآخر»، وبخطاب إعلامي كسر كثيراً من المحظورات، وفتح مساحات للنقاش السياسي، واستقطب ملايين المشاهدين الذين رأوا فيها نافذة مختلفة على العالم العربي والدولي.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: هل ما زالت الجزيرة تقدم الرأي والرأي الآخر بالميزان نفسه، أم أن التحولات السياسية والإقليمية، وتبدل المصالح والتحالفات، تركت بصماتها على اختياراتها التحريرية؟

إن الإجابة عن هذا السؤال لا يمكن أن تقوم على الانطباعات وحدها، ولا على الخصومة السياسية مع القناة أو الدفاع عنها، بل تحتاج إلى قراءة مهنية هادئة لتغطيتها، وخياراتها التحريرية، وطبيعة ضيوفها، وأولوياتها الإخبارية، ومدى اتساق خطابها مع المبادئ التي أعلنتها منذ البداية.

أولاً: حرب إيران.. الاختبار الأهم لمصداقية التغطية

في مقدمة الملفات التي أعادت طرح الأسئلة حول أداء الجزيرة، تأتي تغطيتها للحرب والاعتداءات الأمريكية والإسرائيلية على إيران، في جولتي المواجهة اللتين شهدتهما المنطقة خلال يونيو 2025 وفبراير 2026.

لقد كانت هذه المواجهة اختباراً بالغ الحساسية لأي مؤسسة إعلامية كبرى؛ لأنها لم تقتصر على الصراع العسكري بين أطرافه، بل امتدت إلى أمن المنطقة، ومستقبل الخليج، وأسواق الطاقة، والملاحة الدولية، ومصير المدنيين، واحتمالات اتساع الحرب إلى مواجهة إقليمية مفتوحة.

وكان المنتظر من شبكة بحجم الجزيرة أن تقدم تغطية متوازنة وشاملة، تضع المشاهد أمام الصورة الكاملة، وتفصل بوضوح بين الوقائع الميدانية، والتصريحات الرسمية، والروايات العسكرية المتعارضة، والتحليلات السياسية، والمعلومات التي لا تزال قيد التحقق.

غير أن قطاعاً من المشاهدين العرب والإقليميين والدوليين أبدى انتقادات حادة تجاه طبيعة التغطية وأولوياتها، ورأى أن بعض المعالجات لم تكن على مستوى خطورة الاعتداءات الأمريكية والإسرائيلية على إيران، ولا على مستوى التوقعات التاريخية التي ارتبطت بالقناة.

وهنا ينبغي التمييز بين أمرين: الأول هو وجود مواد وتقارير نشرتها الجزيرة وانتقدت فيها الهجمات الأمريكية والإسرائيلية؛ والثاني هو السؤال الأوسع المتعلق بوزن هذه المواد داخل التغطية اليومية، ومواقع ظهورها، ومساحة النقاش حولها، وطبيعة الضيوف والخبراء الذين استضافتهم القناة، ومدى إتاحة المجال للروايات المختلفة.

فالمصداقية لا تُقاس بمجرد نشر خبر أو بث تقرير، وإنما بما تمنحه المؤسسة من مساحة واهتمام وتوازن للوقائع الأساسية. وقد تنشر القناة خبراً صحيحاً، لكنها تضعه في مساحة محدودة، بينما تمنح رواية أخرى حضوراً أكبر وتأثيراً أوسع في تشكيل وعي المشاهد.

كما أن التعامل مع الاعتداءات على إيران لا ينبغي أن يتحول إلى تبنٍّ تلقائي للرواية الإيرانية؛ فالواجب المهني هو التحقق من كل رواية، ومساءلة جميع الأطراف، وإدانة استهداف المدنيين والمنشآت المدنية وفق قواعد القانون الدولي الإنساني، أياً كانت الدولة المستهدفة أو الجهة التي نفذت الهجوم.

ومن بين الوقائع التي تستوجب التوقف عندها، الهجوم على مدرسة ميناب وما ارتبط به من تقارير عن سقوط أعداد كبيرة من الضحايا المدنيين. فمثل هذه الوقائع لا يجوز أن تمر باعتبارها تفصيلاً عابراً في نشرات الأخبار، بل تستحق تحقيقاً صحفياً مستقلاً، ومتابعة مستمرة، ومساءلة واضحة بشأن المسؤولية والنتائج.

إن دماء الإيرانيين ليست أقل قيمة من دماء الخليجيين أو الفلسطينيين أو أي مدني في العالم. كما أن إدانة الاعتداءات على إيران لا تعني تأييد سياساتها أو مواقفها الإقليمية، تماماً كما أن نقد سياسات طهران لا يبرر استهداف شعبها أو تجاهل معاناة المدنيين.

وهنا يكمن جوهر الاختبار: هل تستطيع الجزيرة أن تجعل الإنسان وحقه في الحياة والأمن معياراً ثابتاً، بعيداً عن حسابات التحالفات والخصومات والمصالح السياسية؟

ثانياً: تراجع الشعبية الجماهيرية.. حقيقة أم انطباع متنامٍ؟

من أكثر الأسئلة تداولاً في النقاشات حول الجزيرة اليوم، سؤال تراجع شعبيتها عربياً ودولياً. فهناك مشاهدون يعلنون ابتعادهم عن القناة، وآخرون ينتقدون بعض اختياراتها التحريرية، فيما يرى قطاع من المتابعين أن صورتها لم تعد كما كانت في سنوات انطلاقتها الأولى.

لكن القراءة الموضوعية تقتضي التمييز بين ثلاثة مفاهيم مختلفة: المشاهدة، والشعبية، والثقة.

فارتفاع عدد المشاهدات لا يعني بالضرورة ارتفاع الثقة، كما أن تراجع المشاهدات خلال شهر معين لا يثبت وحده تراجع الشعبية على المدى الطويل. وقد يتابع المشاهد قناة ما بدافع معرفة ما تقوله، حتى وإن كان لا يثق تماماً في معالجتها أو لا يتفق مع توجهاتها.

ولا تتوافر، حتى الآن، بيانات استطلاعية مستقلة وممثلة لجميع الجمهور العربي والدولي تسمح بالجزم بأن شعبية الجزيرة تراجعت إجمالاً. لذلك فإن الحديث عن تراجع شامل ونهائي يحتاج إلى أدلة أكثر اتساعاً ودقة، لا إلى الاكتفاء بتعليقات منصات التواصل أو الانطباعات الشخصية.

ومع ذلك، توجد مؤشرات تستحق الدراسة. فقد أشار تقرير المرصد الإعلامي العربي عن أداء القنوات الإخبارية العربية على يوتيوب في نوفمبر 2025 إلى أن قناة الجزيرة العربية سجلت نحو 22.2 مليون مشترك، وأضافت قرابة 150 ألف مشترك خلال الشهر، واستحوذت على نحو 41 في المئة من التفاعلات ضمن عينة القنوات التي تناولها التقرير.

وفي المقابل، سجلت القناة نحو 128 مليون مشاهدة خلال الشهر، بانخفاض بلغ 52 في المئة مقارنة بشهر أكتوبر، وفقاً للتقرير نفسه. وهذه الأرقام تعكس تذبذباً شهرياً في المشاهدات، لكنها لا تكفي وحدها لإثبات تراجع شعبيتها أو فقدان جمهورها.

كما أعلن الموقع الرسمي لشبكة الجزيرة في مارس 2025 تجاوز القناة العربية حاجز 20 مليون مشترك على يوتيوب، مع تسجيل 4.5 مليار مشاهدة خلال عام 2024. وهذه أرقام تعكس حضوراً رقمياً واسعاً، لكنها تظل بيانات صادرة عن المؤسسة نفسها، ولا تغني عن قياس مستقل للثقة والرضا الجماهيري.

أما تقرير معهد رويترز لدراسة الصحافة لعام 2026، فقد أشار إلى أن متوسط الثقة العامة بالأخبار بلغ 37 في المئة في الأسواق التي شملها التقرير، كما أظهر تزايد اعتماد الجمهور على شبكات التواصل ومنصات الفيديو للحصول على الأخبار. وهذه مؤشرات تتعلق بالمشهد الإعلامي العام، ولا يجوز تقديمها باعتبارها دليلاً مباشراً على تراجع الثقة في الجزيرة تحديداً.

ومن هنا، فإن السؤال الأكثر دقة ليس: هل انتهت شعبية الجزيرة؟ بل: هل بدأت فجوة تتسع بين صورتها التاريخية لدى الجمهور وبين ما يتوقعه المشاهد اليوم من أدائها التحريري؟

ثالثاً: لماذا ينتقد بعض المشاهدين الجزيرة؟

يمكن رصد مجموعة من الأسباب المحتملة التي تفسر تصاعد الانتقادات، مع التأكيد أن تحديد وزن كل سبب يحتاج إلى استطلاعات مستقلة وتحليل منهجي لعينة واسعة من التغطيات.

1- الانتقائية في ترتيب الأولويات: يرى بعض المنتقدين أن القناة لا تمنح جميع الملفات والأحداث القدر نفسه من الاهتمام، وأن ترتيب الأخبار والمساحات المخصصة لها قد يعكس أحياناً أولويات سياسية أو تحريرية لا تتطابق مع توقعات الجمهور.

2- التباين في معالجة الحروب والأزمات: عندما يشعر المشاهد بأن القناة تتعامل مع ضحايا دولة بقدر من الاهتمام، بينما تقل المساحة الممنوحة لضحايا دولة أخرى، تتولد لديه أسئلة حول ثبات المعايير الإنسانية والمهنية.

3- علاقة التمويل بالاستقلال التحريري: التمويل القطري للشبكة يظل أحد الملفات التي تثير النقاش بشأن العلاقة بين الدولة والمؤسسة الإعلامية. ولا يعني ذلك تلقائياً أن كل مادة صحفية تخضع لتوجيه سياسي، لكنه يفرض ضرورة وجود ضمانات معلنة وشفافة تحمي استقلال القرار التحريري.

4- تكرار الوجوه والضيوف: قد يؤدي الاعتماد المتكرر على مجموعة محدودة من المحللين والضيوف إلى شعور المشاهد بأن النقاش يدور داخل دائرة مغلقة، وأن تعدد الآراء لا ينعكس دائماً على الشاشة بالقدر الكافي.

5- تغير الجمهور ووسائل المتابعة: لم يعد المشاهد العربي أسير شاشة واحدة؛ فهو يقارن بين القنوات والمنصات، ويتابع المصادر المحلية والدولية، ويعود إلى التسجيلات والوثائق والتصريحات الأصلية. ولذلك أصبحت القدرة على التحقق والمقارنة عاملاً حاسماً في بناء الثقة.

6- الفجوة بين التاريخ والتوقعات: كلما ارتفع سقف التوقعات من مؤسسة إعلامية بنت شهرتها على كسر المحظورات وتوسيع مساحة النقاش، أصبحت أكثر عرضة للمساءلة عندما يرى الجمهور أنها لا تلتزم بالمعايير نفسها في جميع الملفات.

رابعاً: التحولات الخليجية.. السياسة في خلفية الشاشة

لا يمكن قراءة مسار الجزيرة بمعزل عن التحولات السياسية في منطقة الخليج، ولا عن طبيعة العلاقة بين قطر وجيرانها، وما شهدته المنطقة من أزمات ومصالحات وإعادة ترتيب للأولويات.

فقد شكلت الأزمة الخليجية التي اندلعت عام 2017 محطة فارقة في تاريخ الإعلام العربي، إذ تحولت المنابر الإعلامية إلى ساحات متبادلة للاتهام والرد، وأصبحت التغطية الإعلامية جزءاً من الاشتباك السياسي بين أطراف الأزمة.

ومع توقيع اتفاق العلا في يناير 2021، دخلت العلاقات الخليجية مرحلة جديدة من المصالحة وإعادة بناء الثقة. لكن انتهاء الأزمة السياسية لا يعني بالضرورة اختفاء آثارها من الذاكرة الإعلامية أو زوال الأسئلة التي أفرزتها بشأن استقلال المؤسسات الإعلامية وحدود العلاقة بين الإعلام والسياسة.

ومن هنا، تبرز أهمية دراسة ما إذا كانت التغطية قد تغيرت بعد المصالحة، وما إذا كانت لغة القناة وأولوياتها تجاه الدول الخليجية قد شهدت تحولات ملحوظة، ومدى اتساق هذه التحولات مع معايير مهنية معلنة.

ليس المطلوب أن تعادي الجزيرة دولة أو تجامل أخرى، وإنما أن تحافظ على المسافة المهنية نفسها من الجميع. فالإعلام الذي يتغير ميزانه بتغير العلاقات السياسية يفقد تدريجياً أهم ما يميزه: ثقة المشاهد في استقلاله.

خامساً: الربيع العربي ومصر والبحرين.. أسئلة لم تُغلق ملفاتها

كانت تغطية أحداث الربيع العربي واحدة من أكثر المحطات تأثيراً في صورة الجزيرة لدى الجمهور العربي. فقد لعبت القناة دوراً واسعاً في نقل مشاهد الاحتجاجات والتحولات السياسية، لكنها تعرضت في الوقت نفسه لانتقادات حادة بشأن اختلاف معايير التغطية من دولة إلى أخرى.

وفي الحالة المصرية، ظلت العلاقة بين القناة والدولة المصرية موضع خلاف سياسي وإعلامي واسع، خاصة في مراحل التحول التي أعقبت عام 2011. وقد تركت تلك المرحلة آثاراً على صورة القناة لدى شرائح من الجمهور المصري، كما ظلت حاضرة في النقاشات المتعلقة بالحياد والاستقلال التحريري.

وفي البحرين، أثارت معالجة الاحتجاجات وما ارتبط بها من أحداث انتقادات وتساؤلات حول المساحة الممنوحة للروايات المختلفة، ومدى التوازن بين وجهات نظر الحكومة والمعارضة، وطبيعة المصادر التي اعتمدت عليها التغطية.

ولا ينبغي التعامل مع هذه الملفات باعتبارها أحكاماً نهائية على القناة، بل باعتبارها محطات تستحق مراجعة أرشيفية ومقارنة دقيقة؛ فالمؤسسة الإعلامية التي تطالب الآخرين بالشفافية يجب أن تكون مستعدة لمراجعة سجلها المهني أمام الجمهور.

سادساً: تغيير الإدارة والوجوه.. هل تتغير السياسة بتغير الأشخاص؟

شهدت شبكة الجزيرة خلال عام 2025 وما بعده تغييرات إدارية وتحريرية، من بينها تعيين الشيخ ناصر بن فيصل بن خليفة آل ثاني مديراً عاماً للشبكة اعتباراً من الأول من سبتمبر 2025، خلفاً لمصطفى سواق.

كما شهدت الشبكة تغييرات في مواقع إدارية وتحريرية، وبرزت أسماء من بينها عاصف الحميدي، ورائد فقيه، وعبد القادر فايز، وعلاء عواد، وعيسى علي، وإبراهيم هلال، في سياق إعادة ترتيب بعض المواقع والمسؤوليات داخل المؤسسة.

وعلى مستوى الشاشة، ظهرت وجوه إعلامية جديدة، من بينها رنيم بوخزام، وعلي نشوان، وجعفر سلامات، وأنس الصبار، وحسين حرب، إلى جانب استمرار حضور أسماء ارتبطت بتاريخ القناة، مثل محمد كريشان، وخديجة بن قنة، وأحمد منصور، وفيروز زياني.

ولا يمكن اعتبار تغيير المذيعين أو القيادات دليلاً في حد ذاته على تحول سياسي أو تحريري؛ فالمؤسسات الإعلامية الكبرى تجدد كوادرها بصورة طبيعية. لكن السؤال المهم هو: هل يصاحب التغيير تطوير في المدرسة المهنية، وتوسيع للتنوع الفكري، وتعزيز للمعايير التحريرية، أم يقتصر على تبديل الوجوه والأسماء؟

فالمشاهد لا يبحث عن وجه جديد فقط، بل يريد مضموناً أكثر عمقاً، ومهنية أكثر صرامة، وقدرة أكبر على مساءلة جميع الأطراف دون استثناء.

سابعاً: ثلاثون عاماً و33 برنامجاً جديداً.. تجديد الشكل أم تجديد الرسالة؟

تدخل الجزيرة عامها الثلاثين في ظل توجهات لتطوير شاشاتها وبرامجها، مع الإعلان عن ثلاث شاشات و33 برنامجاً جديداً ضمن احتفالات الذكرى الثلاثين في أكتوبر 2026.

ويمثل هذا التوجه فرصة لتجديد المحتوى وتوسيع مساحات النقاش والتحليل، لكنه يطرح في الوقت نفسه سؤالاً جوهرياً: هل يكون التجديد في الشكل والبرامج والوجوه فقط، أم يمتد إلى مراجعة فلسفة العمل الصحفي ومعايير التغطية؟

فالمؤسسات الإعلامية لا تقاس بعدد البرامج الجديدة، ولا بحجم الاستوديوهات، ولا بانتشار المذيعين على المنصات الرقمية؛ بل تقاس بقدرتها على تقديم معلومة دقيقة، وتحليل عميق، ورأي متعدد، ومساءلة مهنية لا تستثني حليفاً أو خصماً.

ثامناً: التمويل والاستقلال.. أين تقف الحدود بين المؤسسة والدولة؟

من القضايا التي لا يمكن تجاوزها في أي تقييم جاد لتجربة الجزيرة، مسألة التمويل وعلاقة المؤسسة بالدولة القطرية. فهذه القضية ليست حكراً على الجزيرة؛ إذ تواجه مؤسسات إعلامية حكومية وخاصة في العالم كله أسئلة متشابهة بشأن استقلال التحرير عن المصالح السياسية والاقتصادية للجهات المالكة أو الممولة.

لكن حجم الجزيرة وتأثيرها الإقليمي والدولي، والشعار الذي تأسست عليه، يفرضان عليها مستوى أعلى من الشفافية. فالاستقلال التحريري لا يكفي أن يكون مبدأ معلناً؛ بل يجب أن يكون ممارسة يمكن للجمهور اختبارها والتحقق منها.

ومن حق المشاهد أن يعرف طبيعة الضمانات التي تحمي غرفة الأخبار من التدخل، وآليات الفصل بين الإدارة والقرار التحريري، وكيفية التعامل مع تضارب المصالح، وما إذا كانت هناك جهة مستقلة تستطيع مراجعة الشكاوى والاعتراضات.

تاسعاً: كيف يمكن قياس الثقة بصورة علمية؟

إن الحديث عن تراجع الشعبية أو الثقة يحتاج إلى منهج واضح، لا إلى الاعتماد على المشاهدات الرقمية وحدها أو التعليقات المتداولة. ويمكن بناء تقييم أكثر دقة من خلال مجموعة من الخطوات:

  • استطلاعات رأي مستقلة: إجراء دراسات دورية في عدد من الدول العربية والأسواق الدولية، بعينات ممثلة ومنهجيات معلنة.
  • قياس الثقة منفصلة عن المشاهدة: سؤال الجمهور عن مدى ثقته في الأخبار والتحليلات، وليس فقط عن عدد مرات متابعته للقناة.
  • تحليل المحتوى: دراسة ترتيب الأخبار، ومساحات البث، وطبيعة الضيوف، ومصادر المعلومات، ومدى التوازن في تغطية النزاعات.
  • مقارنة التغطية بين الدول: تطبيق المعايير نفسها على ملفات إيران وقطر والسعودية والإمارات والبحرين ومصر وفلسطين.
  • تحليل الأداء الرقمي: التمييز بين عدد المشتركين، والمشاهدات، ومدة المشاهدة، والتفاعل، ومعدلات الاحتفاظ بالجمهور.
  • نشر النتائج بشفافية: إتاحة البيانات والمنهجيات للجمهور والباحثين، بما يسمح بمراجعة النتائج ومناقشتها.

إن قياس الثقة لا يجوز أن يتحول إلى حملة علاقات عامة، كما لا يجوز أن يصبح أداة لتصفية الحسابات السياسية. المطلوب معرفة ما يراه الجمهور فعلاً، ولماذا يثق أو لا يثق، وما الذي ينبغي تغييره.

عاشراً: ما الحلول التي يمكن أن تعيد الثقة؟

إذا كانت الجزيرة تريد الحفاظ على مكانتها واستعادة ثقة الشرائح التي تشعر بخيبة أمل، فإن الطريق لا يبدأ بالدفاع عن الذات أو مهاجمة المنتقدين، وإنما بمراجعة مهنية جادة وشفافة.

1- إعلان ضمانات واضحة للاستقلال التحريري: وضع قواعد معلنة تحمي غرفة الأخبار من أي تدخل سياسي أو مالي، وتحدد المسؤوليات وآليات اتخاذ القرار.

2- إنشاء آلية مستقلة للمراجعة المهنية: تشكيل لجنة تضم خبراء إعلاميين وقانونيين وأكاديميين مستقلين، تتولى مراجعة التغطيات المثيرة للجدل، ونشر خلاصات دورية للجمهور.

3- اعتماد معيار إنساني واحد في الحروب: تغطية الضحايا المدنيين والانتهاكات وفق قواعد ثابتة، بصرف النظر عن جنسية الضحايا أو هوية الجهة المسؤولة.

4- تحقيق التوازن في استضافة الآراء: توسيع دائرة الخبراء والمحللين، وعدم الاكتفاء بالأسماء المتكررة، وإتاحة مساحة حقيقية للرأي المخالف، دون مساواة مصطنعة بين الحقيقة والمعلومة المضللة.

5- تصحيح الأخطاء علناً: نشر تصويبات واضحة عند وقوع أخطاء، وبيان أسبابها، وعدم الاكتفاء بتعديل المواد بصمت.

6- مراجعة أرشيف التغطية: إجراء دراسة مقارنة لتغطية الحروب والأزمات الكبرى خلال السنوات الماضية، وإتاحة نتائجها للباحثين والجمهور.

7- الاستماع إلى الجمهور: إنشاء قنوات فعالة لتلقي الشكاوى والملاحظات، وإجراء استطلاعات مستقلة، ونشر ردود المؤسسة على الانتقادات الجادة.

8- تجديد المحتوى لا الوجوه فقط: الاستثمار في التحقيقات الاستقصائية، والبيانات، والتحقق الرقمي، والبرامج الحوارية التي تقدم نقاشاً حقيقياً لا مجرد تبادل للمواقف الجاهزة.

9- الفصل الواضح بين الخبر والرأي: إظهار الحدود الفاصلة بين المعلومة المؤكدة، والتقدير التحليلي، والرواية المنسوبة إلى مصدر، بما يمنع الخلط لدى المشاهد.

10- نشر تقارير شفافية دورية: توضيح السياسات التحريرية، وآليات التعامل مع تضارب المصالح، ونتائج مراجعة الأداء، ومؤشرات الثقة والمشاهدة وفق منهجيات مستقلة.

الخلاصة: الحقيقة لا تحمل جنسية ولا جواز سفر

بعد ثلاثين عاماً من الحضور والتأثير، لا تحتاج الجزيرة إلى الاكتفاء باستعادة ذكريات انطلاقتها أو الاحتفاء بعدد مشاهديها ومشتركيها؛ بل تحتاج إلى أن تسأل نفسها بصدق: هل ما زالت تقدم للمشاهد ما وعدته به منذ اليوم الأول؟

إن الانتقادات التي تواجهها القناة لا تعني بالضرورة انهيار شعبيتها، كما أن أرقام المشاهدة المرتفعة لا تعني بالضرورة أن الثقة محصنة من التراجع. وبين الأمرين توجد مساحة واسعة تستحق البحث والتحليل والمراجعة.

الحرب على إيران كانت اختباراً مهماً، لكنها ليست الاختبار الوحيد. فهناك فلسطين، والخليج، ومصر، والبحرين، وسائر الملفات التي تنتظر من الإعلام أن يضع الحقيقة فوق الحسابات، والإنسان فوق الاصطفافات.

وإذا كان شعار «الرأي والرأي الآخر» قد منح الجزيرة مكانتها في بداياتها، فإن الحفاظ على هذه المكانة يتطلب اليوم أكثر من ترديد الشعار؛ يتطلب تطبيقه على الجميع، وفي كل الأوقات، دون انتقائية أو ازدواجية.

فدماء الإيرانيين والخليجيين والفلسطينيين والمصريين وسائر شعوب المنطقة لا تختلف في قيمتها الإنسانية، والعدالة لا تتجزأ بتغير التحالفات.

إن الحقيقة لا تحمل جنسية، ولا جواز سفر، ولا تنتمي إلى محور سياسي دون آخر. والحقيقة لا تكون حقيقة لأنها تخدم دولة، ولا تفقد قيمتها لأنها تزعج حليفاً أو خصماً.

الجزيرة أمام فرصة لتجديد عهدها مع جمهورها: أن تكون شاشة للحقيقة لا صدى للسياسة، ومنبراً للرأي والرأي الآخر لا ساحة لانتقاء الأصوات، ومؤسسة إعلامية تقيس نجاحها بقدر ما تكسب من ثقة الناس، لا بعدد الوجوه التي تظهر على شاشتها.

فالإعلام الذي يفقد ثقة جمهوره قد يحتفظ بشاشته، لكنه يخسر روحه.

اترك تعليقاً

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى