
لا تبدو عودة الرحلات الجوية بين إسرائيل ودولة الإمارات العربية المتحدة مجرد إجراء أمني وتقني لاستئناف حركة الطيران بين تل أبيب ودبي، وإنما تكشف عن اختبار أعمق لمنظومة الثقة التي قامت عليها العلاقات الإسرائيلية ـ الإماراتية منذ توقيع اتفاقات أبراهام.
فخلف الطائرات التي تستعد للتحليق مجددًا، تقف أسئلة أكبر من مدارج المطارات: هل تستطيع الإجراءات الأمنية الجديدة أن تعيد الثقة التي اهتزت؟ وهل كشفت الواقعة الأخيرة عن ثغرة فردية، أم عن خلل في منظومة تبادل المعلومات والتدقيق الأمني؟
وتأتي هذه التطورات في أعقاب حادثة بالغة الخطورة على متن رحلة تابعة لشركة فلاي دبي، بعدما أقدم مساعد الطيار، بحسب التقارير، على مهاجمة قائد الطائرة ومحاولة السيطرة عليها أثناء توجهها إلى إسرائيل. وتمكن أفراد الطاقم والركاب من السيطرة على الموقف، قبل أن تهبط الطائرة بسلام في المملكة العربية السعودية.
غير أن خطورة الواقعة لا تكمن فقط في ما حدث داخل قمرة القيادة، وإنما في السؤال الذي جاء بعدها: كيف تمكن شخص كان يُفترض أن يخضع لعمليات تدقيق أمني دقيقة من الوصول إلى قمرة قيادة طائرة تجارية على هذا الخط الحساس؟
وتشير التقارير إلى أن السلطات العُمانية كانت قد رصدت في وقت سابق مخاوف مرتبطة بتطرف مساعد الطيار، وأنه أُبعد عن الطيران في شركة الطيران العُمانية، الأمر الذي يفتح بابًا واسعًا للتساؤلات حول آليات تبادل المعلومات بين سلطات الطيران والأجهزة الأمنية وشركات الطيران في الدول المعنية.
وهنا تتحول القضية من حادثة مرتبطة بشخص واحد إلى اختبار لمنظومة كاملة.
فإسرائيل تعتمد منذ عقود على منظومة أمن طيران شديدة الصرامة، بينما بنت الإمارات جانبًا مهمًا من صورتها الدولية على كونها مركزًا عالميًا آمنًا للطيران والتجارة والسياحة. ومع ذلك، كشفت الواقعة عن منطقة رمادية بين أمن المطارات، وفحص أطقم الطائرات، وتبادل المعلومات الاستخباراتية، والمسؤوليات المتداخلة بين الدول وشركات الطيران.
ومن ثم، فإن الاتفاق الأمني الجديد بين إسرائيل والإمارات لاستئناف الرحلات إلى دبي يحمل أهمية تتجاوز بكثير مجرد عودة الطائرات إلى جداولها المعتادة.
فدبي أصبحت خلال السنوات الأخيرة واحدة من أهم بوابات السفر للإسرائيليين إلى الخليج والعالم، وتحولت الرحلات الجوية بين الجانبين إلى أحد أكثر المظاهر وضوحًا للتطبيع الذي أفرزته اتفاقات أبراهام.
وهنا تكمن المفارقة: فكلما ازداد حجم الاتصال بين الدول، ازدادت الحاجة إلى الثقة الأمنية بينها.
فالطائرة المدنية لا تعرف الحدود السياسية عندما تحلق في السماء. وأمنها لا يمكن أن يكون مسؤولية دولة واحدة فقط، لأن أي خلل في دولة ما قد يتحول، خلال ساعات أو دقائق، إلى خطر على مواطني دولة أخرى.
ولهذا فإن استئناف الرحلات قد يكون سهلًا نسبيًا إذا اكتملت الترتيبات الأمنية والتقنية، لكن استعادة الثقة أصعب بكثير.
يمكن توقيع اتفاق، وتشديد إجراءات التفتيش، وتبادل قوائم المسافرين وأفراد الأطقم، ووضع بروتوكولات جديدة؛ لكن الثقة الحقيقية لا تُبنى بالوثائق وحدها، وإنما بقدرة الأجهزة المعنية على إثبات أن التحذيرات تصل إلى من يجب أن تصل إليه، وأن المعلومات لا تضيع بين المؤسسات والحدود، وأن المسؤولية لا تسقط في الفجوة بين دولة وشركة طيران ودولة أخرى.
ومن هذه الزاوية، يمكن النظر إلى الاتفاق الإسرائيلي ـ الإماراتي الجديد باعتباره محاولة لترميم صدع قبل أن يتحول إلى شرخ في جدار العلاقات.
فإسرائيل لا تريد أن تفقد أحد أهم خطوطها الجوية إلى الخليج، والإمارات لا تريد أن تتأثر مكانة دبي كمركز عالمي للطيران والسياحة والتجارة. كما أن استمرار الرحلات يحمل قيمة اقتصادية وسياسية ورمزية كبيرة بالنسبة إلى الطرفين.
لكن عودة الطائرات لا تعني بالضرورة عودة الاطمئنان.
فإذا كانت اتفاقات أبراهام قد فتحت الأبواب أمام حركة السياحة والتجارة والاستثمار، فإن حادثة الرحلة الأخيرة كشفت الوجه الآخر للانفتاح: كلما اتسعت الجسور بين الدول، أصبحت سلامة أحد أطرافها مرتبطة بسلامة الطرف الآخر.
وهذا هو الدرس الأهم.
فالأمن في عالم الطيران الحديث لم يعد شأنًا وطنيًا محضًا، بل أصبح شبكة دولية متداخلة. والمعلومة التي لا تصل في الوقت المناسب قد تكون أخطر من السلاح نفسه.
كما أن دول الخليج التي استثمرت مليارات الدولارات في بناء مكانتها كمراكز عالمية للطيران والسياحة والتجارة تدرك أن سمعتها الأمنية جزء أساسي من قوتها الاقتصادية. ولذلك فإن أي حادث يثير شكوكًا حول سلامة الطيران لا يبقى محصورًا في طائرة واحدة أو رحلة واحدة.
إن التحدي الحقيقي أمام إسرائيل والإمارات ليس فقط إعادة تشغيل الرحلات، وإنما إثبات أن ما حدث أصبح درسًا مؤسسيًا، وليس مجرد أزمة عابرة جرى احتواؤها باتفاق أمني.
فالطائرة يمكن أن تقلع بمجرد إعطاء الإذن.
أما الثقة، فلا تقلع بأمر إداري.
قد تعود الطائرات إلى سماء دبي وتل أبيب، وقد تعود جداول الرحلات إلى طبيعتها، لكن السؤال الأهم سيظل معلقًا في الأفق: هل عادت الثقة فعلًا، أم أن الطائرات وحدها هي التي عادت؟



