إقتصادسلايدر

السفيرة أيخهورست: من النيل إلى المتوسط.. الشباب والابتكار والاستثمار يصنعون مستقبل الأمن المائي

Listen to this article

أشرف أبو عريف

أكدت السفيرة أنجلينا أيخهورست، سفيرة الاتحاد الأوروبي لدى مصر، أهمية تعزيز التعاون المصري الأوروبي في مواجهة تحديات المياه، من خلال الجمع بين ابتكار الشباب، وريادة الأعمال، والتمويل المستدام، والشراكات الإقليمية، وذلك في إطار فعاليات أسبوع القاهرة للمياه 2026، الذي يشهد إطلاق مبادرات تستهدف تحويل الأفكار المبتكرة إلى مشروعات قابلة للتطبيق، وتوسيع الاستثمارات في قطاع المياه وتعزيز قدرة المجتمعات على مواجهة التغيرات المناخية.

وتجمع هذه الجهود بين مسارين متكاملين؛ أولهما تمكين الشباب المصري من تطوير حلول تكنولوجية ومشروعات ريادية في قطاع المياه، وثانيهما تعبئة التمويل العام والخاص لتطوير مشروعات مستدامة في مجالات المياه والطاقة والغذاء والنظم البيئية، بما يعزز التعاون بين مصر والاتحاد الأوروبي وشركائهما في منطقة البحر المتوسط.

أولًا: الشباب في قلب مستقبل المياه.. من الفكرة إلى السوق

شهدت فعاليات أسبوع القاهرة للمياه إطلاق يوم EU-WAVE، في 27 أكتوبر، باعتباره اليوم الأول من ثلاثة أيام يخصصها الاتحاد الأوروبي للشباب المصري العامل في قطاع المياه والابتكار، على أن تتواصل الفعاليات يومي 28 و29 أكتوبر من خلال مبادرتي EU-LEAP وEU-VOICE.

وجرى اختيار المبادرات بالتعاون مع الجامعات الشريكة، عقب مشاورات أُجريت في أغسطس 2026، بمشاركة جامعة النيل، من خلال مركز الابتكار وريادة الأعمال والتنافسية، ومدينة زويل للعلوم والتكنولوجيا، والأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا والنقل البحري.

وفي كلمتها الموجهة إلى الشباب والمبتكرين، أكدت السفيرة أن رسالة الاتحاد الأوروبي تتجاوز دعم المشروعات إلى الاستثمار في قدرات الشباب المصري، قائلة: «أنتم مستقبل المياه في مصر»، ومشددة على أن الشباب ليسوا مستقبل القطاع فحسب، بل هم جزء أساسي من حاضره أيضًا.

وأشارت إلى أن شركات المياه في مصر والمنطقة وأوروبا تحتاج إلى مزيد من المهندسين والفنيين ورواد الأعمال القادرين على تحويل الأفكار إلى خدمات عملية، مؤكدة أن مصر تحتاج إلى كوادر تبني محطات المياه وشبكاتها، وكذلك شركات تستطيع تطوير الحلول وتشغيلها وتمويلها.

واستشهدت بزيارتها إلى محطة معالجة مياه الصرف الصحي ببحر البقر في كفر الشيخ خلال سبتمبر الماضي، باعتبارها نموذجًا لحجم الاستثمارات المطلوبة في هذا القطاع، موضحة أن نجاح محطات المعالجة وشبكات المياه ومحطات الضخ وقنوات الري لا يعتمد على الإنشاء وحده، وإنما يرتبط بكفاءة الكوادر البشرية التي تتولى تشغيلها وصيانتها وتطويرها على مدى سنوات طويلة.

«أكوا تانك».. عشر فرق شبابية أمام اختبار السوق والتمويل

استضافت فعالية Aqua Tank عروضًا قدمتها عشر فرق شبابية تقود مشروعات مبتكرة تجاوزت مرحلة التصورات النظرية إلى إثبات المفهوم أو تطوير النماذج الأولية أو تنفيذ التجارب التشغيلية.

وتضمنت الفعالية جولتين، قدمت خلالهما الفرق عروضًا للمشروعات وعروضًا توضيحية للنماذج، أعقبها حوار مع لجنة التحكيم، ثم تقييم الجمهور عبر منصة تفاعلية.

وشهدت الجولة الثانية مشاركة لجنة متخصصة في التمويل تضم ممثلين عن مؤسسات التمويل الدولية والبنوك، بهدف اختبار قدرة المشروعات على الحصول على التمويل، وتحديد الفرص الواعدة التي يمكن دعمها من خلال برامج الإرشاد والتطوير اللاحقة. كما حصلت الفرق العشرة على شهادات تقدير.

وأكدت السفيرة أن الانتقال من النموذج الأولي إلى السوق يمثل أحد أصعب التحديات أمام رواد الأعمال، لا سيما في قطاع المياه الذي تتسم مشروعاته بطول دورات التعاقد، وارتباط جانب كبير من الطلب فيه بالجهات الحكومية، فضلًا عن الحاجة إلى ضمان استدامة التشغيل والصيانة.

وأوضحت أن الأسئلة المتعلقة بالعملاء ومصادر الإيرادات وتكاليف التشغيل والقدرة على سداد التمويل واستمرار الخدمة بعد خمس سنوات ليست عقبات أمام الابتكار، بل اختبارات ضرورية لبناء مشروعات قابلة للاستمرار.

وأضافت أن الحلول المطلوبة لا تقتصر على محطات المعالجة الكبرى، بل تشمل أيضًا الري الذكي، والمعالجة اللامركزية، وإعادة استخدام المياه، واكتشاف التسربات، وتطوير الخدمات التي تصل إلى المناطق الأكثر احتياجًا.

وأكدت أن كل شركة كبرى في قطاع المياه بدأت يومًا بفريق صغير وفكرة واحدة، وأن المشروعات الواعدة التي ظهرت خلال الفعالية يمكن أن تتحول مستقبلًا إلى شركات مصرية قادرة على خدمة السوق المحلية والتوسع إقليميًا والتصدير.

الاستثمار في الإنسان.. من المعرفة إلى فرص العمل

أكد الاتحاد الأوروبي أن دعمه لقطاع المياه يتجاوز تمويل البنية التحتية إلى الاستثمار في التعليم والبحث العلمي وريادة الأعمال، وربط الشباب بالفرص من خلال برامج مثل إيراسموس بلس والشراكات مع الجامعات والشركات.

وتستهدف هذه الجهود تحويل المعرفة إلى حلول عملية، والحلول إلى شركات، والشركات إلى فرص عمل مستدامة، بما يعزز قدرة الاقتصاد المصري على إنتاج تكنولوجيا المياه محليًا وفق معايير أوروبية، وتلبية احتياجات السوق المصرية وأسواق المنطقة والتصدير.

وأوضح الاتحاد الأوروبي أن تصنيع المضخات وأجهزة قياس المياه والأغشية المستخدمة في المعالجة داخل مصر يفتح المجال أمام نشوء سلاسل توريد محلية تضم شركات التركيب والصيانة والخدمات الفنية، ويوفر فرصًا جديدة للمهندسين والفنيين ورواد الأعمال.

وكشفت البيانات التي عرضها ممثل الاتحاد الأوروبي عن أن الشراكة الأوروبية المصرية في قطاع المياه منذ عام 2007 أسهمت في الوصول إلى نحو 25 مليون مستفيد في 16 محافظة مصرية، وتوفير قرابة 25 ألف فرصة عمل دائمة ونحو 600 ألف فرصة عمل قصيرة الأجل، معظمها في المناطق الريفية.

كما أسهمت المنح الأوروبية المخصصة لقطاع المياه في مصر منذ عام 2007 في تعبئة استثمارات تقارب 3.5 مليار يورو، بما يعكس أهمية التمويل الأوروبي في دعم المشروعات وجذب موارد إضافية من المؤسسات المالية والشركاء.

وشددت السفيرة على أن استمرار هذه الاستثمارات يحتاج إلى جيل جديد قادر على تشغيل المشروعات وتحسين أدائها وتطوير نماذج تمويلها، مؤكدة أن الاستثمار في الابتكار هو استثمار في الإنسان وقدرته على بناء مستقبل أكثر استدامة.

المرأة والمياه.. من تحمّل الأعباء إلى المشاركة في القرار

تتواصل فعاليات اليوم الأول من خلال برنامج Women in Water، الذي تقوده مدينة زويل، ويجمع بين ورش عمل تشاركية ونقاشات حول التحديات التي تواجه المرأة في قطاع المياه وسبل تعزيز مشاركتها في صنع القرار.

ويتناول البرنامج الأعباء الإضافية التي تتحملها النساء والفتيات عندما تكون المياه غير آمنة أو بعيدة أو مرتفعة التكلفة، إلى جانب بحث العوائق التي تحد من وصول النساء إلى مواقع التأثير والقيادة في هذا القطاع.

ويتضمن البرنامج تحديد التحديات بصورة جماعية، وتقييم أبعاد التمكين، ووضع خطط عمل والتزامات مشتركة لتعزيز مشاركة المرأة في رسم السياسات وتطوير الحلول.

وتؤكد رسالة الفعالية أن تحقيق الأمن المائي لا ينفصل عن العدالة وتكافؤ الفرص، وأن مشاركة النساء والرجال معًا في صياغة الحلول شرط لبناء قطاع أكثر شمولًا واستدامة.

كما يشهد اليوم إطلاق مجتمع رواد الأعمال في قطاع المياه، بهدف استمرار التواصل بين الفرق المشاركة، وتحويل فعالية العرض والتقييم إلى بداية لمسار طويل من الإرشاد والتعاون وتطوير المشروعات.

ثانيًا: من هبة النيل إلى أمن المتوسط.. تمويل مستدام لمستقبل المياه

بالتوازي مع تمكين الشباب، شهد أسبوع القاهرة للمياه انعقاد المؤتمر رفيع المستوى لمنصة MED-RISE، التي ينظمها الاتحاد الأوروبي بالتعاون مع الاتحاد من أجل المتوسط، والشراكة العالمية للمياه في منطقة المتوسط، ومشروع المياه والبيئة والأعمال المناخية، بهدف تعزيز تعبئة الاستثمارات الخاصة وتطوير مشروعات قابلة للتمويل في قطاعات المياه والطاقة والغذاء والنظم البيئية.

وخلال كلمتها في المؤتمر، أكدت السفيرة أنجلينا أيخهورست أهمية تحويل التعاون الإقليمي إلى مشروعات فعلية قادرة على مواجهة تحديات ندرة المياه، مشيرة إلى أن هذه التحديات لم تعد مقتصرة على دول جنوب المتوسط، بل أصبحت تمس أوروبا أيضًا.

واستهلت الكلمة باستعادة المقولة التاريخية المنسوبة إلى هيرودوت، التي تصف مصر بأنها «هبة النيل»، موضحة أن المصريين عرفوا منذ آلاف السنين أهمية قياس مستويات المياه، واستخدموا مقاييس النيل لتقدير الفيضانات وتوقع المحاصيل وتحديد الموارد المتاحة للدولة.

وأشارت إلى أن المعرفة المائية والتمويل العام ارتبطا تاريخيًا ارتباطًا وثيقًا، لكن التحديات المعاصرة أصبحت أكثر تعقيدًا، ولم تعد تقتصر على حوض النيل أو دول جنوب المتوسط.

واستشهدت بالتغيرات التي شهدتها الأنهار والأنهار الجليدية الأوروبية، ومنها تراجع مستويات المياه في نهر الراين عند كاوب إلى أدنى مستوى مسجل منذ بدء السجلات عام 1880 خلال الصيف الماضي، واضطرار محطة طاقة نووية على نهر الدانوب إلى التوقف بسبب نقص مياه التبريد، فضلًا عن خسارة الأنهار الجليدية السويسرية نحو 5.5% من جليدها خلال العام الجاري، ونحو خُمس كتلتها منذ عام 2021، وفق الأرقام الواردة في الكلمة.

وأكدت أن هذه المؤشرات توضح أن ندرة المياه أصبحت تحديًا مشتركًا لأوروبا ومصر والأردن وشمال أفريقيا، وأن التعامل معها يتطلب تعاونًا يتجاوز الحدود الوطنية وتمويلًا طويل الأجل.

السؤال الأصعب: من سيموّل أمن المياه؟

أوضحت السفيرة أن السؤال المحوري الذي تواجهه دول ضفتي المتوسط يتمثل في كيفية تمويل الأمن المائي، مشيرة إلى أن الوزراء المشاركين في اجتماع الاتحاد من أجل المتوسط في روما، قبل أربعة أسابيع، أكدوا أهمية إعداد خطط مائية واقعية ماليًا وممولة بالكامل، بمشاركة القطاعين العام والخاص.

وأضافت أن المنح والموازنات العامة، على أهميتها، لن تكون وحدها كافية لسد فجوة التمويل، ما يستدعي تطوير أدوات قادرة على جذب الاستثمارات الخاصة، وتقاسم المخاطر، وإعداد مشروعات تستوفي متطلبات المؤسسات التمويلية.

وفي هذا السياق، تستهدف منصة MED-RISE توسيع دور رأس المال الخاص في تمويل المشروعات المترابطة بين المياه والطاقة والغذاء والنظم البيئية، وفق منهجية تراعي الترابط بين هذه القطاعات من مصادر المياه إلى البحر.

وأشارت إلى أن الحوار بدأ على المستوى الوطني من خلال مائدة مستديرة مصرية أوروبية تحت اسم EU-Egypt FLOW، جمعت البنوك المصرية ومؤسسات التمويل الأوروبية والحكومة المصرية، قبل الانتقال إلى توسيع نطاق التعاون على المستوى المتوسطي.

كما استحضرت الكلمة تجربة إطلاق الشراكة الأورو-متوسطية في برشلونة عام 1995، معتبرة أن ميثاق المتوسط يمثل صيغة متجددة لهذه الطموحات، مع احتلال القدرة على الصمود المائي موقعًا محوريًا ضمن أولوياته.

ثلاثة محاور أوروبية لتحريك الاستثمارات

حدد الاتحاد الأوروبي ثلاثة محاور رئيسية لدعم تمويل المياه في المنطقة.

أولًا: الرؤية والسياسات. من خلال ميثاق المتوسط واستراتيجية الاتحاد الأوروبي للقدرة على الصمود المائي، وتوظيف البعد الخارجي لهذه الاستراتيجية عبر مبادرة البوابة العالمية، بالتعاون مع الشركاء.

ثانيًا: أدوات التمويل وتقاسم المخاطر. وتشمل الضمانات والتمويل المختلط وإعداد المشروعات، بما يساعد على تحويل المشروعات الواعدة في الإسكندرية وعمّان وأغادير وغيرها إلى فرص استثمارية قادرة على جذب التمويل المصرفي والمؤسسي.

ثالثًا: سجل الشراكة والنتائج. إذ أعلن ممثل الاتحاد الأوروبي أن المنح الأوروبية المخصصة لقطاع المياه في مصر منذ عام 2007 ساعدت على تعبئة استثمارات تقارب 3.5 مليار يورو.

وأوضح أن قيمة المنحة الأوروبية قد تمثل جزءًا محدودًا من إجمالي التمويل، لكنها تؤدي دورًا حاسمًا في تهيئة الظروف اللازمة لجذب بقية الاستثمارات، عبر تحسين الجدوى الاقتصادية وتقليل المخاطر وتعزيز ثقة الممولين.

وشدد الاتحاد الأوروبي على أن منصة «ميد رايز» ليست مجرد مؤتمر جديد، بل إطار مفتوح للشركاء المستعدين لتقديم مشروعات قابلة للتنفيذ، أو ضمانات تمويلية، أو أفكار مبتكرة يمكن تحويلها إلى استثمارات ذات أثر ملموس.

من القاهرة إلى أبوظبي.. تحويل الرسائل إلى مشروعات

تتضمن أجندة المؤتمر عرض أربع تجارب توضح كيفية تطوير مشروعات قابلة للتمويل في مختلف مراحل دورة المياه، من المصدر إلى البحر، يعقبها اجتماع مغلق وعيادة استثمارية لاختبار مشروعات حقيقية وتحديد متطلباتها التمويلية والفنية.

ومن المقرر أن تسهم نتائج المناقشات في إعداد رسائل القاهرة بشأن الاستثمار الخاص في الترابط بين المياه والطاقة والغذاء والنظم البيئية، تمهيدًا لنقلها إلى مؤتمر الأمم المتحدة للمياه في أبوظبي خلال ديسمبر 2026.

ويمثل هذا المسار محاولة للانتقال من تبادل الرؤى والتعهدات إلى بناء محفظة مشروعات قابلة للتمويل، وتحديد أدوار الحكومات والمؤسسات المالية والقطاع الخاص، وتعزيز القدرة على مواجهة المخاطر المناخية والضغوط المتزايدة على الموارد المائية.

مصر جسر بين الابتكار والتمويل

تكشف فعاليات أسبوع القاهرة للمياه عن ترابط واضح بين المسارين الشبابي والاستثماري؛ فالأول يبحث عن عقول قادرة على ابتكار حلول جديدة، والثاني يسعى إلى توفير الأدوات والموارد اللازمة لتحويل تلك الحلول إلى مشروعات مستدامة.

فلا تكفي محطات المعالجة وشبكات المياه وحدها لضمان الأمن المائي، كما لا تكفي الأفكار المبتكرة من دون تمويل وأسواق وشراكات مؤسسية. وبين هذين المسارين، تبرز الحاجة إلى منظومة متكاملة تربط الجامعات برواد الأعمال والبنوك والحكومات والشركات.

إن مستقبل المياه في مصر والمنطقة لن تصنعه الاستثمارات وحدها، ولا الابتكارات وحدها، بل الشراكة التي تجمع المعرفة بالتمويل، والشباب بالخبرة، والسياسات بالتنفيذ.

ومن هبة النيل التي صنعت حضارة مصر، إلى التحديات المشتركة التي تواجه دول المتوسط، تتأكد رسالة أسبوع القاهرة للمياه: المياه مسؤولية مشتركة، والأمن المائي استثمار في الإنسان والاستقرار والتنمية، ومستقبل لا يمكن بناؤه إلا بالتعاون.

اترك تعليقاً

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى