
أشرف أبو عريف
انطلقت أمس في العاصمة الروسية موسكو فعاليات القمة الروسية الإفريقية الثالثة، التي افتتحها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، بمشاركة واسعة من قادة الدول الإفريقية وممثلي الحكومات والوزارات والمؤسسات المختلفة، وفي مقدمتهم الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، في مشهد يعكس تنامي الاهتمام بتعزيز الشراكة الروسية الإفريقية، وفتح آفاق جديدة للتعاون السياسي والاقتصادي والتكنولوجي والثقافي.
الإعلام الروسي: مصر نموذجٌ للتعاون مع إفريقيا
حظيت زيارة الرئيس عبد الفتاح السيسي ولقاؤه نظيره الروسي فلاديمير بوتين باهتمام ملحوظ في وسائل الإعلام الروسية، التي سلطت الضوء على عمق العلاقات المصرية الروسية وما شهدته من تطور في مختلف المجالات، والإنجازات التي تحققت عبر المشروعات المشتركة، وفي مقدمتها مشروع محطة الضبعة للطاقة النووية.
وتناولت التغطيات الإعلامية أبعاد الشراكة بين القاهرة وموسكو، باعتبارها تجربة تتجاوز حدود العلاقات الثنائية إلى آفاق أوسع من التعاون مع القارة الإفريقية، لا سيما في مجالات التجارة والاستثمار والطاقة والسياحة والثقافة.
وأكد الرئيس فلاديمير بوتين، خلال حديثه عن العلاقات بين البلدين، أن التبادل التجاري المصري الروسي تضاعف خلال السنوات الأخيرة، وأن الشراكة بين البلدين حققت إنجازات ملموسة. كما أشار إلى تنامي حركة السياحة الروسية إلى مصر، التي استقبلت نحو مليون ونصف المليون سائح روسي خلال عام 2025.
ومن جانبه، أكد الرئيس عبد الفتاح السيسي حرص مصر على مواصلة تنمية العلاقات مع روسيا في مختلف المجالات، على أساس المصالح المشتركة وتعزيز التعاون الذي يحقق تطلعات الشعبين الصديقين.
شريف جاد: الحوار الروسي الإفريقي يفتح أبواب المستقبل
وفي سياق متصل، أشار شريف جاد، رئيس الجمعية المصرية لخريجي الجامعات الروسية والسوفيتية، إلى أن فعاليات القمة شهدت نقاشات ثرية ومداخلات مؤثرة عكست اهتمام الجانبين الروسي والإفريقي بتطوير العلاقات وتوسيع مجالات التعاون المشترك.
وأوضح أن وسائل الإعلام الروسية تناولت تطور العلاقات المصرية الروسية في المجالات الاقتصادية والتجارية والثقافية والسياسية، فيما شارك خبراء روس متخصصون في العلاقات الدولية في تحليل أبعاد هذه الشراكة، معتبرين التجربة المصرية نموذجًا مهمًا للتعاون الروسي مع الدول الإفريقية.
وتعكس هذه الرؤية، وفقًا لما تناولته النقاشات، ما شهدته العلاقات بين القاهرة وموسكو من تطور خلال السنوات الأخيرة، إلى جانب تنامي فرص التعاون التجاري والاقتصادي والسياحي، بما يعزز مكانة مصر بوصفها شريكًا استراتيجيًا لروسيا وبوابة مهمة للتواصل مع القارة الإفريقية.
وشهدت فعاليات القمة مشاركة مصرية واسعة عبر المداخلات والندوات التي ناقشت آفاق التعاون المصري الروسي، وسبل تحويل التفاهمات السياسية إلى مشروعات عملية تعود بالنفع على الشعوب، وتدعم مسارات التنمية والاستثمار ونقل الخبرات والتكنولوجيا.
من الضبعة إلى إفريقيا.. شراكة تتجاوز حدود الجغرافيا
وفي ندوة الحوار الروسي الإفريقي، أكدت وفود إفريقية أن العلاقات مع روسيا ينبغي أن تقوم على الندية والاحترام المتبادل وتحقيق المصالح المشتركة، مع إبداء اهتمام بتوسيع التعاون في مجالات الطاقة والتكنولوجيا والصناعة.
وأعربت بعض الوفود عن تطلعها إلى الاستفادة من الخبرات الروسية في إنشاء مشروعات للطاقة النووية السلمية داخل بلدانها، على غرار التعاون المصري الروسي في مشروع محطة الضبعة، الذي يمثل أحد أبرز المشروعات الاستراتيجية في مسار الشراكة بين البلدين.
ويعكس هذا الاهتمام أهمية التجربة المصرية في إتاحة فرص التعاون في القطاعات ذات القيمة المضافة، وفي مقدمتها نقل التكنولوجيا، وبناء القدرات، وتوطين الخبرات، وتوفير مصادر مستدامة للطاقة، بما يساعد الدول الإفريقية على تعزيز استقلالها الاقتصادي وتلبية احتياجاتها التنموية.
وأكدت مناقشات اليوم الأول أن العلاقات الروسية الإفريقية لا ينبغي أن تظل حبيسة البيانات والمؤتمرات، بل يجب أن تتحول إلى شراكات حقيقية ومشروعات ملموسة وإنجازات مستدامة، تستجيب لأولويات التنمية في الدول الإفريقية، وتؤسس لمستقبل أكثر توازنًا في العلاقات الدولية.
المنطقة الصناعية الروسية في مصر.. بوابة جديدة للتكامل الإفريقي
وخلال مشاركته في ندوة الحوار الروسي الإفريقي، أشار شريف جاد إلى عمق العلاقات المصرية الروسية وما أثمرت عنه من إنجازات خلال السنوات الأخيرة، معربًا عن تطلعه إلى توقيع الحكومتين الاتفاق الخاص بإنشاء المنطقة الصناعية الروسية في مصر، لما يمثله المشروع من فرصة لإحداث نقلة نوعية في العلاقات الاقتصادية والتجارية بين البلدين.
وأوضح أن إقامة المنطقة الصناعية الروسية من شأنها أن تتيح نقل التكنولوجيا والخبرات الصناعية الروسية إلى مصر، وإنشاء مجموعة متنوعة من المصانع، وتعزيز الإنتاج المشترك، وفتح أسواق جديدة أمام المنتجات المصرية والروسية في القارة الإفريقية.
وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة في ضوء الموقع الاستراتيجي لمصر، وما تتمتع به من مقومات تؤهلها للاضطلاع بدور محوري في الربط بين روسيا والأسواق الإفريقية، بما يجعل التعاون الصناعي بوابةً أوسع للتجارة والاستثمار وتبادل الخبرات.
ومن هذا المنطلق، فإن المنطقة الصناعية الروسية المرتقبة لا تمثل مجرد مشروع اقتصادي، بل فرصة لبناء شبكة من المصالح الإنتاجية المشتركة، وتحويل الموقع الجغرافي لمصر إلى قيمة اقتصادية مضافة، وتعزيز حضورها بوصفها مركزًا إقليميًا للتصنيع والتبادل التجاري.
السد العالي.. ذاكرة الإنجاز وبوصلة المستقبل
وشدد شريف جاد على أن العلاقات المصرية الروسية تستند إلى تاريخ طويل من التعاون، شهد تنفيذ 98 مشروعًا من المشروعات المهمة التي أسهمت في بناء الاقتصاد المصري وتطوير بنيته الأساسية على امتداد عقود، وفي مقدمتها السد العالي، الذي يظل أحد أبرز رموز التعاون المصري السوفيتي في القرن العشرين.
ويجسد السد العالي، بما حمله من دلالات تنموية واستراتيجية، مرحلة مهمة من تاريخ العلاقات بين البلدين، فيما يمثل مشروع الضبعة امتدادًا معاصرًا لهذا المسار، عبر التعاون في مجال الطاقة النووية السلمية، ويفتح مشروع المنطقة الصناعية الروسية المرتقب آفاقًا جديدة أمام التصنيع والتجارة ونقل التكنولوجيا.
وهكذا، تتجلى العلاقات المصرية الروسية باعتبارها جسرًا يمتد من ذاكرة المشروعات الكبرى إلى طموحات التنمية الحديثة، ومن التعاون الثنائي إلى آفاق الشراكة الإفريقية الأوسع.
إن الرسالة الأبرز التي حملتها مناقشات القمة هي أن مستقبل العلاقات الروسية الإفريقية لن تصنعه الكلمات وحدها، بل المشروعات التي تغير حياة المواطنين، والاستثمارات التي تخلق فرص العمل، والتكنولوجيا التي تدعم التنمية، والشراكات التي تحترم سيادة الدول وتستجيب لاحتياجات شعوبها.
وفي قلب هذا المشهد، تبرز مصر بوصفها شريكًا يمتلك الخبرة والموقع والرؤية، وجسرًا قادرًا على وصل موسكو بآفاق القارة الإفريقية؛ لتظل الشراكة الحقيقية هي تلك التي تحول التاريخ المشترك إلى مستقبل من التنمية والازدهار المتبادل.



