ثقافةسلايدر

من القدس إلى الذكاء الاصطناعي.. الإعلام العربي يبحث عن صوتٍ يصنع المستقبل

Listen to this article

أشرف أبو عريف ✍️

تطرح كلمة السفير أحمد رشيد خطابي، الأمين العام المساعد ورئيس قطاع الإعلام والاتصال بجامعة الدول العربية، أمام الدورة العادية (105) للجنة الدائمة للإعلام العربي، المنعقدة بالقاهرة في 3 نوفمبر 2026، رؤية تتجاوز حدود العمل الإعلامي التقليدي، لتلامس أسئلة الهوية والرواية والمصداقية، ومستقبل الإعلام العربي في عالم تتسارع فيه التحولات التكنولوجية والسياسية.

فلسطين والقدس.. معركة الرواية قبل معركة الصورة

تتصدر القضية الفلسطينية والقدس المشهد في الكلمة، باعتبارهما اختباراً حقيقياً لقدرة الإعلام العربي على الدفاع عن الحقيقة، ومواجهة محاولات التضليل وتزييف الوعي. فالمعركة لم تعد مقتصرة على نقل الأحداث والصور، بل أصبحت معركة على الرواية والسردية والوعي العالمي.

وتكمن أهمية هذا الطرح في التأكيد أن الإعلام العربي مطالب بتجاوز الاكتفاء بردود الأفعال، والعمل على تقديم خطاب مهني موثق، يخاطب الرأي العام الدولي بلغته وأدواته، ويضع الحقائق أمام العالم دون انتقائية أو ازدواجية.

من رد الفعل إلى المبادرة.. ضرورة تغيير أدوات الخطاب الإعلامي

تؤكد الكلمة أن المرحلة الراهنة تفرض على الإعلام العربي الانتقال من موقع المتلقي إلى موقع المبادِر، ومن مجرد متابعة الأحداث إلى المشاركة في تشكيل النقاش العام وصناعة التأثير.

فامتلاك الرواية لا يتحقق بكثرة التصريحات، وإنما بقدرة المؤسسات الإعلامية على إنتاج محتوى موثوق، سريع، عميق، ومتعدد اللغات والمنصات. وهذا يتطلب تنسيقاً عربياً أكثر فاعلية، وتكاملاً بين المؤسسات، واستثماراً حقيقياً في الكفاءات المهنية والشبابية.

الذكاء الاصطناعي.. اختبار جديد لمستقبل الإعلام العربي

يفتح تناول الذكاء الاصطناعي في الكلمة نافذة مهمة على التحديات التي تواجه الإعلام العربي، في ظل التحولات المتسارعة في صناعة المحتوى، وانتشار المنصات الرقمية، وتنامي مخاطر الأخبار الزائفة والتلاعب بالمعلومات.

لم يعد الذكاء الاصطناعي خياراً مؤجلاً، بل أصبح عنصراً مؤثراً في مستقبل صناعة الإعلام. ومن ثم، فإن المطلوب هو توظيفه في تطوير الأداء والتحقق من المعلومات وتحسين جودة المحتوى، مع الحفاظ على المعايير المهنية والأخلاقية، وصون الثقة بين وسائل الإعلام والجمهور.

وفي هذا السياق، تكتسب الإشارة إلى جائزة التميز الإعلامي، التي تلقت 154 ترشيحاً، أهمية خاصة، باعتبارها مؤشراً على تنامي الاهتمام بالمبادرات الإعلامية المبتكرة، وتشجيعاً على تطوير أدوات العمل الصحفي العربي.

أجندة عربية تتجاوز التغطية إلى بناء المؤسسات

تكشف الموضوعات المطروحة أمام اللجنة الدائمة للإعلام العربي عن إدراك متزايد لأهمية الانتقال من التنسيق الموسمي إلى بناء شراكات ومؤسسات وآليات عمل مستدامة.

ويبرز في هذا الإطار الاهتمام بفرق الخبراء ومشروعات التعاون الإعلامي، ومن بينها مركز التبادل الصيني العربي للابتكار السمعي البصري، بما يعكس اتساع آفاق التعاون الإعلامي العربي مع الشركاء الدوليين، وضرورة توظيف هذه العلاقات في تبادل الخبرات وتطوير الإنتاج الإعلامي.

جائزة التميز الإعلامي.. من التكريم إلى صناعة القدوة

تمثل جائزة التميز الإعلامي إحدى الأدوات المهمة لتحفيز الإبداع والارتقاء بالممارسة المهنية، ولا ينبغي أن يقتصر دورها على الاحتفاء بالنماذج الناجحة، بل أن يمتد إلى ترسيخ ثقافة الجودة والابتكار والتنافس الإيجابي بين المؤسسات الإعلامية العربية.

كما يعكس دور دولة الكويت في دعم الجائزة أهمية الشراكات العربية في إنجاح المبادرات الإعلامية المشتركة، وتحويلها إلى مشروعات مستمرة ذات أثر ملموس.

الإعلام العربي أمام لحظة تاريخية.. فهل يصنع روايته أم يظل أسيراً لروايات الآخرين؟

إن قراءة كلمة السفير أحمد رشيد خطابي تكشف عن إدراك واضح لحجم التحولات التي تحاصر الإعلام العربي، من أزمات المنطقة وصراعات الرواية، إلى ثورة الذكاء الاصطناعي وتغير أنماط تلقي الأخبار. وهي تحولات لا تسمح بالاكتفاء بتطوير أدوات النشر، بل تستدعي مراجعة شاملة لفلسفة العمل الإعلامي وأولوياته.

فالإعلام الذي لا يمتلك روايته، ولا يحسن تقديم قضاياه، ولا يواكب أدوات عصره، يترك المجال للآخرين كي يتحدثوا باسمه ويصوغوا صورته. ومن هنا، تصبح المسؤولية العربية مضاعفة في بناء إعلام يمتلك المصداقية والقدرة على التأثير، ويحترم عقل الجمهور، ويدافع عن الحقيقة، ويعبر عن مصالح الأمة دون انغلاق أو انعزال.

oplus_34

إن التحدي الحقيقي أمام الدورة (105) لا يكمن في عدد البنود التي ستناقشها، وإنما في قدرتها على تحويل التوصيات إلى برامج قابلة للتنفيذ، والشراكات إلى نتائج، والرؤى إلى سياسات إعلامية عربية متكاملة.

فهل تتحول هذه الدورة إلى نقطة انطلاق نحو إعلام عربي موحد الرؤية، متجدد الأدوات، عالمي الحضور، يستعيد زمام المبادرة، ويجعل من الكلمة جسراً للحقيقة والسلام؟

اترك تعليقاً

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى