السفير خطابى: الجامعة العربية تفتح نوافذها للصحافة وتستعيد شراكة القرار

أشرف أبو عريف
في خطوة تحمل دلالات مؤسسية وإعلامية مهمة، عقد السفير أحمد رشيد خطابي، الأمين العام المساعد لجامعة الدول العربية ورئيس قطاع الإعلام والاتصال، مؤتمرًا صحفيًا بمقر الأمانة العامة بالقاهرة، عقب انتهاء الجلسة المغلقة للدورة العادية السادسة والخمسين لمجلس وزراء الإعلام العرب، استمع خلاله إلى أسئلة الصحفيين والإعلاميين، وأجاب عن استفساراتهم بشأن نتائج الاجتماع وأبرز الملفات التي تناولها.
ولم يكن المؤتمر مجرد استعراض تقليدي لنتائج اجتماع وزاري، بل حمل في مضمونه رسائل تتعلق بمستقبل العلاقة بين جامعة الدول العربية والمؤسسات الصحفية والإعلامية، في ظل توجه يستهدف تعزيز الشفافية، وتوسيع قنوات التواصل، وإعادة الاعتبار للإعلام باعتباره أحد الشركاء الأساسيين في صناعة الوعي وصياغة الرأي العام ومتابعة العمل العربي المشترك.
نبيل فهمي.. حضور وزاري يحمل رسالة التطور
وكانت النقطة المحورية التي استوقفت المتابعين خلال المؤتمر الصحفي ما أشار إليه السفير خطابي بشأن رؤية الأمين العام لجامعة الدول العربية، السيد نبيل فهمي، وتقديره للتطور اللافت الذي شهده مستوى المشاركة الوزارية في اجتماعات مجلس وزراء الإعلام العرب.
فقد شهدت الدورة الأخيرة حضورًا لنحو عشرة وزراء إعلام عرب، وهو حضور يحمل دلالة خاصة إذا ما قورن بما كان معتادًا في دورات سابقة، إذ لم يكن حضور الوزراء على هذا المستوى أمرًا متكررًا، وكانت المشاركة في أحيان كثيرة تقتصر على رؤساء وفود وممثلين عن المؤسسات والوزارات الإعلامية.
ومن هنا تبرز أهمية الرسالة التي حملها هذا الحضور: فارتفاع مستوى التمثيل الوزاري يعكس اهتمامًا متزايدًا بملف الإعلام العربي، ويمنح القرارات الصادرة عن المجلس مساحة أكبر من الاهتمام السياسي والتنفيذي، ويؤكد أن الإعلام لم يعد ملفًا هامشيًا أو مجرد نشاط مهني منفصل عن دوائر صناعة القرار.
وبلا شك، فإن مشاركة نحو عشرة وزراء تظل خطوة إيجابية، لكنها ليست نهاية الطريق؛ فالمطلوب هو تحويل هذا الحضور إلى التزام مستدام، ومشاركة منتظمة، وقرارات قابلة للتنفيذ، بما يضمن أن يكون الإعلام العربي شريكًا حقيقيًا في تحديد الأولويات وصناعة السياسات، وليس مجرد متلقٍ للقرارات.
تقليد جديد.. الجامعة تفتح أبوابها أمام الصحافة
ومن أبرز الرسائل التي برزت خلال المؤتمر تأكيد السفير أحمد رشيد خطابي حرص الأمين العام نبيل فهمي على تعزيز التواصل المباشر مع الصحفيين والمؤسسات الإعلامية، سواء الوطنية والمحلية في مصر أو المؤسسات الأجنبية المعتمدة لدى الجامعة العربية.
وأوضح خطابي أن هذا اللقاء يمثل بداية لتكريس تقليد جديد في التواصل المؤسسي والإعلامي، على أن تتواصل اللقاءات مستقبلًا بمشاركة أمناء عامين مساعدين آخرين، كلٌّ في نطاق اختصاصه، لإطلاع الصحفيين على أنشطة الجامعة ومواقفها وتحركاتها في الملفات المختلفة.
وتكتسب هذه الخطوة أهميتها من كونها تتيح للصحفيين الاقتراب بصورة أكبر من دوائر العمل داخل الجامعة، وطرح الأسئلة بصورة مباشرة، والحصول على المعلومات من مصادرها، بعيدًا عن الاكتفاء بالبيانات الرسمية أو الأخبار المقتضبة.
فالإعلام ليس مجرد ناقل لقرارات الجامعة، وإنما شريك في شرحها وتفسيرها ومتابعة تنفيذها، كما أن التواصل المفتوح مع الصحافة يمثل أحد مؤشرات حيوية المؤسسات وقدرتها على بناء الثقة مع الرأي العام.
فلسطين في صدارة الأولويات.. حماية الصحفيين مسؤولية عربية
وعلى صعيد نتائج الدورة السادسة والخمسين، أكد السفير أحمد رشيد خطابي أن القضية الفلسطينية ظلت في صدارة جدول أعمال مجلس وزراء الإعلام العرب، باعتبارها قضية مركزية وثابتة في منظومة العمل العربي المشترك.
وشهد الاجتماع تأكيد التضامن مع الجسم الإعلامي والصحفي الفلسطيني، والمطالبة بتوفير الحماية للصحفيين الفلسطينيين، ودعم المؤسسات الإعلامية الفلسطينية، وتعزيز التغطية الإعلامية للأوضاع في الأراضي الفلسطينية، سياسيًا وميدانيًا وحقوقيًا وإنسانيًا، ولا سيما في قطاع غزة.
وتتجاوز هذه المسؤولية حدود التضامن اللفظي إلى ضرورة توفير أدوات إعلامية عربية قادرة على نقل الحقيقة إلى الرأي العام الدولي، ومواجهة التضليل، وإبراز الانتهاكات التي يتعرض لها المدنيون والصحفيون، بما يضمن حضور الرواية الفلسطينية في المنصات الإعلامية الدولية.
من مكافحة التطرف إلى مواكبة التحول الرقمي
كما تناولت أعمال المجلس عددًا من الملفات المرتبطة بتطوير الإعلام العربي، ومتابعة خطة التحرك الإعلامي العربي في الخارج، وأعمال اللجنة العربية للإعلام الإلكتروني، ودور الإعلام في مكافحة الإرهاب والتطرف، ونشر ثقافة السلام، وتعزيز الهوية والشخصية الجماعية العربية ومقوماتها الحضارية واللغوية.
وتعكس هذه الملفات إدراكًا لأهمية التحولات التكنولوجية المتسارعة، وما تفرضه من تحديات تتعلق بالمعلومات المضللة، وتدفق الأخبار، وتنامي تأثير المنصات الرقمية، الأمر الذي يتطلب تطوير المؤسسات الإعلامية العربية، وتأهيل الأجيال الجديدة، وتعزيز قدرتها على التعامل المهني مع البيئة المعلوماتية الحديثة.
استعادة مكانة الجامعة.. الإعلام شريك لا متفرج
إن القراءة الأوسع لمؤتمر السفير أحمد رشيد خطابي تكشف عن أهمية الربط بين ثلاثة مسارات: رفع مستوى المشاركة الوزارية، وفتح قنوات التواصل المباشر مع الصحافة، وتطوير دور الإعلام في تنفيذ أولويات العمل العربي المشترك.
وهذه المسارات، إذا ما جرى البناء عليها، يمكن أن تسهم في تعزيز الحضور المؤسسي لجامعة الدول العربية، واستعادة جانب من دورها وتأثيرها في القضايا الإقليمية والدولية، من خلال خطاب إعلامي عربي أكثر تنسيقًا وفاعلية، ومؤسسات أكثر انفتاحًا على الصحفيين والرأي العام.
لكن استعادة المكانة لا تتحقق بمجرد عقد المؤتمرات أو زيادة أعداد المشاركين، وإنما تحتاج إلى استمرارية التواصل، وشفافية إتاحة المعلومات، وتفعيل القرارات، وقياس النتائج، وإشراك الكفاءات الصحفية والإعلامية في مناقشة التحديات واقتراح الحلول.
فالجامعة التي تستمع إلى الإعلام، وتفتح أمامه أبوابها، وتتعامل معه باعتباره شريكًا في صناعة القرار، إنما تعزز قدرتها على الوصول إلى المواطن العربي والتأثير في محيطها الدولي.
ولعل الرسالة الأهم التي يمكن استخلاصها من هذا اللقاء أن الإعلام العربي يستحق أن يكون حاضرًا على طاولة صناعة القرار، لا أن يظل خارجها ينتظر ما يصدر عنها؛ فالمؤسسة التي تريد استعادة ثقة جمهورها تحتاج إلى إعلام حر ومسؤول، وإلى صحافة تسأل وتناقش وتتابع وتحاسب، في إطار المهنية والموضوعية واحترام الحقيقة.
إنها بداية تستحق التقدير، لكن الرهان الحقيقي يظل في تحويل هذه الإشارات الإيجابية إلى نهج مؤسسي دائم، حتى تستعيد الجامعة العربية صوتها وتأثيرها، ويستعيد الإعلام العربي دوره شريكًا في الوعي والقرار وصناعة المستقبل.



