رئيس التحرير يكتب
في مؤتمر صحفي عقده السفير الألماني في القاهرة، يورجن شولتس، بدت ملامح السياسة الألمانية تجاه المنطقة حافلة بالتناقضات، إذ امتدح شولتس الدور المصري في تحقيق الاستقرار، وأشاد بعقلانية القاهرة، لكنه في المقابل، واصل التعبير عن مواقف أوروبية وألمانية تُثير تساؤلات كثيرة حيال ازدواجية المعايير، خاصة فيما يتعلق بالتعامل مع المأساة في غزة مقارنةً بأوكرانيا.
مصر: مرساة الاستقرار و”صوت العقل”
أكد شولتس أن مصر تلعب دورًا محوريًا في استقرار المنطقة، مشيدًا بمواقفها تجاه الأزمات في غزة، السودان، وليبيا، ومعتبرًا القاهرة شريكًا لا غنى عنه في أي مساعٍ للسلام.
“نثمّن جهود مصر الدبلوماسية بالتنسيق مع قطر والولايات المتحدة”، قال شولتس، مضيفًا أن مصر تمثّل أحد أقوى الفاعلين الإقليميين في صناعة السلام.
ورغم هذا التقدير، فإن تساؤلًا ملحًّا يبرز: ما موقف ألمانيا لو كانت غزة مكان أوكرانيا؟ هل كانت برلين ستقف هذا الموقف “المتوازن” لو كانت الضحية ليست فلسطينية بل أوروبية؟
ألمانيا، أوكرانيا، وفلسطين: معايير مزدوجة؟
في خطابه، برر شولتس دعم بلاده غير المشروط لأوكرانيا بـ”الخصوصية التاريخية”، لكن الواقع يكشف عن تناقض صارخ:
- أوكرانيا ليست عضوًا في الناتو، ومع ذلك تحظى بدعم شامل.
- غزة، بالمقابل، تتعرض لإبادة ممنهجة، دون أن تتحرك أوروبا بما يماثل ذلك الدعم.
أين إذًا العدالة الإنسانية؟ هل أصبحت الجغرافيا والهوية شرطًا للتضامن؟
وإذا كانت ألمانيا ترفض التهجير القسري والاحتلال، فكيف تبرر استمرار دعمها لإسرائيل بالسلاح، بما فيه المحرّم دوليًا، بينما لا تصل المساعدات الإنسانية إلى سكان غزة الذين يُبادون علنًا؟
إسرائيل.. فوق القانون الدولي؟
أشار شولتس إلى تمسك بلاده بحل الدولتين، لكن لم يوضح: من يعرقل تنفيذه؟
- قرارات دولية حاسمة مثل 242 وأوسلو بقيت حبرًا على ورق.
- إسرائيل، بدعم أمريكي وأوروبي، باتت فوق القانون الدولي.
إذا كانت روسيا تُدان وتُعاقب بسبب اجتياحها لأوكرانيا، فلماذا لا تُحاسب إسرائيل على احتلالها، وحصارها، وارتكابها لجرائم حرب في غزة والضفة؟
بل هل يقبل الغرب أن تُفرض عليه “هدنة” مقابل الإفراج عن رهائن، ثم تُنتهك مباشرة عبر قصف المدنيين كما حدث بعد الإفراج عن ألكسندر عيد؟
اقتراحات تُثير الجدل: هل يردع الناتو إسرائيل؟
في ظل هذا العجز الأممي، يبرز تساؤل جريء:
إذا كانت إسرائيل لا تلتزم بقرارات الأمم المتحدة، فهل ينبغي على الناتو التدخل كما فعل في البلقان؟
من المؤكد أن “العضوية النسبية” لإسرائيل في المنظومة الغربية تمنحها حصانة، ولكن كما دعمت أوروبا أوكرانيا ضد روسيا، فهل تمتلك الشجاعة لتقول “كفى” لإسرائيل؟
جهود ألمانية لتعويض مصر عن خسائر قناة السويس
من الملفت أن شولتس تحدّث عن دعم ألمانيا لمصر سياسيًا وإنسانيًا، إلا أنه لم يعلّق بشكل واضح على المطلب المصري المشروع بخصوص تعويضات قدرها 4.4 مليار يورو عن أضرار قناة السويس جراء عمليات الحوثيين، التي جاءت ردًا على العدوان على غزة.
هل تتحرك ألمانيا داخل الاتحاد الأوروبي لتسريع صرف هذه الحزمة؟
وإذا كانت أوروبا تدفع تعويضات لأوكرانيا دون شروط، فلماذا تُهمّش مصر التي تتحمّل كلفة الاستقرار الإقليمي؟
مصر وألمانيا.. علاقات متينة وتعاون متعدد الأبعاد
رغم التباينات، يبقى أن العلاقات الثنائية بين مصر وألمانيا تشهد نموًا لافتًا على المستويات كافة.
تقارب سياسي استراتيجي
الحوار السياسي قائم على التفاهم والثقة، مع زيارات رفيعة، وتنسيق مستمر بين وزارات الخارجية، أبرزها اللقاءات بين السفير بدر عبد العاطي ووزير خارجية ألمانيا.
شراكة اقتصادية متينة
بلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين 5.5 مليار يورو العام الماضي، وتلعب شركات كبرى مثل “سيمنز” دورًا حيويًا في مشاريع الطاقة والنقل، خصوصًا مشروع القطار الكهربائي السريع.
استثمارات تنموية تتخطى المليار يورو
تركز ألمانيا على دعم مشروعات في:
- الطاقة المتجددة
- تحلية المياه وإعادة استخدامها
- التعليم الفني والتدريب المهني
تعاون ثقافي وتعليمي راسخ
100 مدرسة ألمانية مشروع تعليمي عملاق تم إطلاقه مؤخرًا، بجانب الجامعة الألمانية في القاهرة التي تضم أكثر من 18 ألف طالب.
الهجرة والتنقل منظم
ألمانيا تسعى لتنظيم الهجرة الشرعية عبر استقدام عمالة ماهرة من مصر، مما يعود بالنفع على الطرفين، اقتصاديًا وبشريًا.
خاتمة: مفترق طرق أخلاقي
إذا كانت ألمانيا تؤمن بالقانون الدولي وحقوق الإنسان، فإن المصداقية تقتضي:
- إدانة حقيقية لجرائم الحرب بغزة، وليس فقط إبداء القلق.
- توازن في الدعم بين إسرائيل وفلسطين.
- تحرك فاعل داخل الاتحاد الأوروبي لتعويض مصر عن الأضرار الناتجة عن تبعات الصراع.
آن الأوان لتختبر برلين نفسها: هل هي صوت العدالة؟ أم رهينة لمعادلات القوة والمصالح الغربية؟



