رأى

شراكة بوتين وشي في تيانجين أقوى من أي إغراء خارجي

Listen to this article

بقلم: د. أحمد مصطفى

مدير مركز آسيا للدراسات والترجمة

الشراكة بين فلاديمير بوتين وشي جين بينغ، التي تم تسليط الضوء عليها في قمة منظمة شنغهاي للتعاون في تيانجين، هي أكثر من مجرد علاقة دبلوماسية بسيطة؛ فهي تعني تحالفًا استراتيجيًا قويًا يهدف إلى خلق عالم متعدد الأقطاب يواجه الهيمنة الغربية. يتميز تعاونهما بتزايد العلاقات الاقتصادية، حيث بلغ حجم التجارة الثنائية 240 مليار دولار في عام 2023، حيث تم إبرام شراكة ”بلا حدود“ في أوائل عام 2022. وتعود التعاونات الرئيسية، مثل خط أنابيب الغاز ”قوة سيبيريا“ وزيادة صادرات النفط الروسية، بالفائدة على كلا البلدين من خلال دعم روسيا مالياً في ظل العقوبات وتأمين إمدادات الطاقة للصين. وتبرز هذه الشراكة مقارنة بالسياسات الخارجية الأخرى، التي غالباً ما تبدو تفاعلية أو مجزأة. وتسمح الوحدة بين روسيا والصين بالتخطيط الفعال على المدى الطويل، مدعومة باتخاذ قرارات مركزية. توفر روسيا موارد هائلة وقوة عسكرية، بينما تضيف الصين قوة اقتصادية وقدرات تصنيعية. يتم تعزيز تعاونهما من خلال مؤسسات مثل منظمة شنغهاي للتعاون وبلدان البريكس، مما يوفر بديلاً للنظام الدولي الغربي. بالنسبة لمراقبي ديناميكيات القوة العالمية، يُنظر إلى هذا التحالف على أنه استجابة مستقرة ومحسوبة للتأثير الغربي، ويكشف عن اتجاه استراتيجي أوضح من السياسات الخارجية للعديد من البلدان الأخرى، خاصة تلك التابعة للقوى الغربية التقليدية.

كيف يبدو المسرح الجيوسياسي العالمي الآن؟

يتميز الوضع الجيوسياسي الحالي بوجود جبهتين متعارضتين. الجبهة الأولى تقودها الولايات المتحدة، ولا سيما تحت قيادة ترامب، التي تواصل سياسة الهيمنة الأحادية القطب على غرار فترة ما بعد الحرب الباردة. وتتميز هذه السياسة بإجراءات اقتصادية قاسية، مثل فرض رسوم جمركية تزيد عن 50٪ على حلفاء مثل الهند، والدعم السياسي للعمليات العسكرية التي أدت إلى أزمات إنسانية كبيرة، مثل مقتل أكثر من 62000 مدني في غزة. وتشبه الاضطرابات الداخلية في مختلف البلدان الانقسام الذي شهدته أوكرانيا منذ عام 2014، مثل ما حدث مؤخراً في صربيا وإندونيسيا، وتشير التحركات العدوانية تجاه فنزويلا إلى نية الاستيلاء على موارد النفط.

في المقابل، تمثل الجبهة الثانية عالمًا متعدد الأقطاب صاعدًا يركز على التعاون بين الصين وروسيا، ويعزز التضامن مع دول الجنوب. وقد أظهر هذا التحالف، الذي يتجسد في منظمة شنغهاي للتعاون، فعاليته في الدبلوماسية ويضم الآن ما يقرب من نصف سكان العالم وأكثر من 35٪ من الناتج المحلي الإجمالي العالمي. يتحول هذا التحالف عن الاعتماد على التهديدات ويركز بدلاً من ذلك على التقدم الإنساني والنمو المشترك، مما يوفر بديلاً أكثر استدامة للنموذج الهيمني المتدهور.

ما أهمية العرض العسكري الضخم الذي تقيمه الصين اليوم في تيانانمن؟

يحتفل العرض العسكري في ميدان تيانانمن في 3 سبتمبر 2025 بالذكرى الثمانين لنهاية الحرب العالمية الثانية. ولم يقتصر الأمر على الاحتفال بالتاريخ، بل كان أيضًا إشارة قوية إلى الجغرافيا السياسية. وأبرزت الزيارة المطولة للرئيس بوتين، التي انتهت بحضوره هو والرئيس شي في هذا الحدث، تحالفهما الاستراتيجي ضد النفوذ الأمريكي. وشدد الزعيمان على أن قوتهما العسكرية والاستراتيجية تردع طموحات الولايات المتحدة في منطقتيهما.

بالإضافة إلى التعاون العسكري، يطلقان تحديًا اقتصاديًا للولايات المتحدة. مع اقتصادات أوروبية متزعزعة، تدفع الشراكة نحو عملة احتياطية لدول البريكس وتشجع التجارة بالعملات الوطنية لتقليل الاعتماد على الدولار الأمريكي. يهدف هذا النهج إلى إنشاء نظام مالي جديد يمكن أن يتجاوز القوة الاقتصادية الأمريكية.

حيث توضح التوترات الأخيرة بين أوروبا والولايات المتحدة هذا التحول بشكل أكبر، خاصة مع فرض الرئيس ترامب تعريفات جمركية وتهديده بدعم حلف الناتو ما لم تتوافق أوروبا مع اتفاقياته مع روسيا مؤخرا في ألاسكا. وقد عزز حضور الزعيم الكوري الشمالي كيم جونج أون في العرض العسكري الانطباع بوجود جبهة موحدة. ويوضح هذا الوضع تحول القوة العالمية نحو عالم متعدد الأقطاب، بالانتقال من معارضة الهيمنة الأمريكية إلى خلق نظام بديل.

كيف ينظر العالم إلى توقيع 20 اتفاقية شراكة بين بوتين وتشي؟

ويمثل توقيع الرئيسين بوتين وشي على عشرين اتفاقية في قمة منظمة شنغهاي للتعاون في تيانجين تعزيزًا كبيرًا للشراكة الصينية الروسية، بما يتجاوز مجرد إعلانات الوحدة. تغطي هذه الاتفاقيات مجالات مختلفة، بما في ذلك الاقتصاد والأمن والتكنولوجيا، مما يساعد كلا البلدين على تقليل تعرضهما للعقوبات المالية والتكنولوجية الغربية. تعمل الشراكة على إنشاء أنظمة بديلة للتجارة والبنوك تتحدى الهياكل التي تقودها الولايات المتحدة مثل شبكة SWIFT والنظام المالي القائم على الدولار.

يهدف هذا التعاون إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي في القطاعات الحيوية، مما يساعد كلا البلدين على حماية أنفسهما من الضغوط الخارجية وتغيير ديناميكيات القوة العالمية. بالنسبة لمنافسيهما العالميين، وخاصة الولايات المتحدة وحلفائها في مجموعة السبع وحلف شمال الأطلسي، يمثل هذا التحالف الناشئ تحديًا خطيرًا على المدى الطويل يتطلب نهجًا استراتيجيًا جديدًا. تمثل الاتفاقيات جبهة موحدة يمكن أن تقوض النفوذ الغربي في أوراسيا وتجعل من الصعب على صانعي السياسة الغربيين فرض عقوبات على أي من البلدين بشكل مستقل. لذلك، من الضروري التحول نحو استراتيجية استباقية تعزز الابتكار التكنولوجي وتبني شراكات قوية في الجنوب العالمي لمواجهة هذا التحالف المتنامي بين الصين وروسيا.

ما هو فحوى الرسالة السياسية من نجاح الاجتماعات الثنائية والثلاثية في قمة شنغهاي الأخيرة بتيانجن؟

تبعث الاجتماعات الثنائية والثلاثية الأخيرة خلال قمة منظمة شنغهاي للتعاون في تيانجين والاستعراض العسكري الذي أعقبها برسالة سياسية قوية تتجاوز الدبلوماسية التقليدية. تشير هذه المناقشات إلى تحول موحد بعيدًا عن الأنظمة المالية والسياسية الغربية، التي يرى الكثيرون أنها أدوات للسيطرة. تعمل الدول المعنية معًا على اتفاقيات أمنية وتستكشف أساليب تجارية تتجنب استخدام الدولار. وهذا يدل على تطور عملي في التعاون بين بلدان الجنوب، مما يوفر فرصة حقيقية لإبرام صفقات مفيدة في مجالات الاتصال وأمن الطاقة والتكنولوجيا دون الشروط التي تفرضها عادة الدول الغربية.

أصبحت منظمة شنغهاي للتعاون أكثر من مجرد منتدى للنقاش؛ فهي تتطور لتصبح منظمة رئيسية لخلق نظام عالمي متعدد الأقطاب. ويتوافق ذلك مع مبادرة الحوكمة العالمية الصينية (GGI)، التي تعزز نظامًا دوليًا أكثر إنصافًا. وتؤكد مبادرة الحوكمة العالمية على العمل معًا بدلاً من التنافس، وتوفر إطارًا للتعاون المستقبلي في مجالات مثل مكافحة الإرهاب والبنية التحتية الرقمية. وتعد نتائج هذه القمة اختبارات مهمة لنموذج حوكمة جديد يمكن أن يحول القوة العالمية بعيدًا عن النفوذ الغربي.

كيف برزت روح شنغهاي في تحالف تشي وبوتين؟

أسفرت القمة الأخيرة بين الرئيسين شي وبوتين عن إبرام أكثر من عشرين اتفاقية، مما عزز الشراكة الصينية الروسية. ويسترشد هذا التحالف بروح شنغهاي، التي تؤكد على الثقة والمنافع المتبادلة واحترام الثقافات المختلفة. وتغطي الاتفاقيات مجالات مهمة مثل البنية التحتية وأمن الطاقة، ولا سيما خط أنابيب ”طاقة سيبيريا 2“، والتعاون التكنولوجي. هذه الشراكة هي أكثر من مجرد استجابة للضغوط الغربية؛ فهي تهدف إلى خلق نظام بيئي استراتيجي منفصل يركز على السيادة والاستقلال الاقتصادي، كما يتضح من الزيادة الكبيرة في التجارة الثنائية، التي بلغت 240 مليار دولار في عام 2023.

بالنسبة للخبراء، يمثل هذا التطور خطوة نحو نظام عالمي متعدد الأقطاب، مع روح شنغهاي في صميمه. تتجاوز الاتفاقيات مجرد التعاون، وتؤثر على التكامل الأوراسي الأوسع نطاقًا وتتحدى الأنظمة الحالية التي تقودها الولايات المتحدة. تعكس الجهود الرامية إلى تعزيز الروابط من خلال مبادرات مثل الاتحاد الاقتصادي الأوراسي ومبادرة الحزام والطريق، إلى جانب التحول نحو استخدام العملات الوطنية في التجارة، استراتيجية طويلة الأجل. تم تصميم هذه الشراكة لتكون دائمة، وتعزز الحوكمة البديلة وتسعى إلى تغيير ميزان القوى العالمي وديناميات التجارة.

في الختام، تسلط الشراكة بين فلاديمير بوتين وشي جين بينغ الضوء على تحالف قوي يهدف إلى خلق عالم متعدد الأقطاب لمواجهة الهيمنة الغربية. وقد أدى هذا التعاون، الذي يتسم بتزايد العلاقات الاقتصادية وشراكة ”بلا حدود“، إلى مشاريع مهمة مثل خط أنابيب الغاز ”قوة سيبيريا“، الذي يدعم كلا البلدين في ظل العقوبات. ينقسم المشهد الجيوسياسي إلى جبهتين: الأولى بقيادة الولايات المتحدة تركز على الهيمنة أحادية القطب، والثانية تمثل عالمًا متعدد الأقطاب صاعدًا من خلال التعاون بين الصين وروسيا. يعكس العرض العسكري المرتقب في ميدان تيانانمن هذا التحالف، حيث يعرض القوة العسكرية والتحديات الاقتصادية للولايات المتحدة. تعزز الاتفاقيات الأخيرة بين بوتين وشي العلاقات بينهما، وتقلل من الاعتماد على الأنظمة الغربية، وتعزز الاكتفاء الذاتي. تتطور منظمة شنغهاي للتعاون (SCO) لتصبح قاعدة حاسمة لهذه الحركة متعددة الأقطاب، مما يشير إلى تحول في ديناميكيات القوة العالمية، بهدف التعاون بدلاً من التنافس. تؤكد روح اتفاقية شنغهاي على الثقة والمنفعة المتبادلة، وتعزز رؤية استراتيجية لنظام عالمي جديد.

 

 

 

 

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى