غزّة بين الدموع والنجاة.. حين صمتت المدافع وارتجف القلب من الفرح

غزّة – شينخوا… بين الدموع والفرح والقلق، تنفّست غزّة للمرة الأولى منذ عامين. بعد حربٍ أكلت كلَّ ما في الحياة من طمأنينة، جاء إعلان وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحركة المقاومة الإسلامية (حماس) كوميضٍ في آخر النفق — مزيجٍ من الدهشة والارتباك، بين الخوف من الغد وفرحة النجاة من الموت.
الفجر حمل البيان المنتظر بعد ثلاثة أيام من مفاوضاتٍ غير مباشرة في مدينة شرم الشيخ المصرية، معلنًا:
“إنهاء الحرب على غزّة، وانسحاب قوات الاحتلال، وفتح المعابر لدخول المساعدات الإنسانية، وتنفيذ عملية تبادل للأسرى.”
وفي تل أبيب، قال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إن حكومته ستجتمع للمصادقة على الاتفاق، مشيرًا إلى أن “المرحلة الأولى ستتضمّن إعادة جميع الرهائن الإسرائيليين.”
أما في غزّة، فكان المشهد مختلفًا تمامًا.
خرج المئات إلى الشوارع بين أنقاض البيوت، يرفعون الأعلام الفلسطينية، يرقصون ويبكون في آنٍ واحد، كأنهم يودّعون الظلام ويستقبلون الفجر.
قال حسين الهندي، نازح من بلدة الزوايدة وسط القطاع:
“أريد أن أبكي وأرقص في الوقت نفسه… انتهت الحرب أخيرًا، توقّف الموت الذي كان يلاحقنا كلَّ يوم.“
رجل فقد بيته لكنه لم يفقد الأمل، يعيش مع أسرته في خيمةٍ صغيرة منذ عام، يضيف بصوتٍ مرتجف:
“ما زلت لا أصدق أن الحرب توقفت فعلًا. فرحتنا كبيرة، لكننا نخاف أن تكون مؤقتة. نريد سلامًا حقيقيًا لا هدنةً هشة.”
وفي دير البلح، جلس عبد المجيد هنية أمام صورة ابنه الذي قُتل في غارةٍ إسرائيلية سابقة.
“الموت توقف، وهذا هو الأهم. لا شيء يعوّض فقدان ابني، لكنني سعيد أن أطفالًا آخرين لن يموتوا كما مات هو.“
ووفق وزارة الصحة في غزّة، قُتل أكثر من 67 ألف فلسطيني منذ اندلاع الحرب في أكتوبر 2023، فيما تشير الإحصاءات الإسرائيلية إلى مقتل نحو 1200 شخص في الهجوم المفاجئ الذي شنّته حماس آنذاك، واحتجاز 48 رهينة، يُعتقد أن نحو 20 منهم ما زالوا على قيد الحياة.
ورغم مشاهد الفرح التي ملأت الشوارع، ظلّ القلق حاضرًا في العيون، إذ يتساءل الناس عن الغد: من سيحكم القطاع؟ وماذا عن سلاح الفصائل؟ وهل ستصمد الهدنة طويلًا؟
يقول عابد دهمان من خان يونس، وهو أب لخمسة أطفال فقد منزله في الحرب:
“غزّة التي نعرفها لم تعد موجودة… لكننا سنبدأ من جديد. خسرنا كل شيء، لكننا خرجنا أحياء، وهذا أعظم مكسب.“
ويرى المحلّل السياسي حسام الدجني أن الاتفاق “يشكّل نقطة تحوّل مهمة نحو إنهاء الحرب”، لكنه يضيف:
“تطبيق بنوده يحتاج إلى ضماناتٍ دولية حقيقية. وقف الحرب لا يعني نهاية المعاناة؛ فغزّة اليوم تحتاج إلى أكثر من اتفاق — تحتاج إلى إرادةٍ دولية تمنع تكرار المأساة، وإلى مشاريع تعيد الأمل للناس.”
وهكذا، بين رماد الدمار وارتعاشة الأمل، تقف غزّة اليوم على حافة فجرٍ جديد،
تسأل بصوتٍ خافتٍ يختلط فيه الرجاء بالحذر:
هل هذه المرّة… سيصمد السلام؟



