رأى

روح أكتوبر… حين يعلّم النصر معنى السلام

Listen to this article

✍️ بقلم: أ. حذامي محجوب

بعد اثنين وخمسين عامًا على حرب السادس من أكتوبر، ما تزال مصر تستحضر تلك اللحظة المفصلية التي غيّرت وجه المنطقة، وأعادت للأمة العربية ثقتها بقدرتها على صنع التاريخ. إنها ذكرى العبور العظيم؛ عبور الإرادة قبل السلاح، والكرامة قبل الحدود.

لم يكن السادس من أكتوبر مجرّد انتصار عسكري، بل ملحمة وعي وإرادة أثبتت أن السيادة لا تُسترد بالشعارات، بل بالعزيمة والإيمان بالحق.

واليوم، يتجاوز احتفال مصر بالذكرى طابع الاستذكار الرمزي، ليكتسب بُعدًا جديدًا في ظل واقع إقليمي متشابك، تتقاطع فيه مسارات الحرب والسلام. وبينما تتردد أصداء الاتفاق الأخير بين حماس وإسرائيل برعاية أمريكية، تتجه الأنظار من جديد إلى القاهرة؛ العاصمة التي تصوغ الممكن حين تتشابك المستحيلات، وتدعو إلى تهدئةٍ تنبع من منطق العدالة لا من توازن الخوف.

لقد خاضت مصر حرب أكتوبر دفاعًا عن كرامتها الوطنية وكرامة الأمة، وهي نفسها التي آمنت بأن النصر لا يكتمل إلا حين يتحول إلى سلامٍ عادلٍ وشامل. فمن ميادين القتال إلى طاولات المفاوضات، اختارت القاهرة طريق الحكمة، مدركةً أن الأمن الحقيقي لا يتحقق إلا عبر العدل، وأن استقرار المنطقة يبدأ من الاعتراف بحق الفلسطينيين في دولتهم المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية.

وهكذا تتجدّد رمزية أكتوبر كل عام، بوصفه درسًا خالدًا في أن السلام ليس استسلامًا، بل امتداد للنصر حين يُدار بالعقل وبعد النظر. فكما كان العبور انتصارًا على الخوف، فإن السلام اليوم هو انتصار على اليأس.

في كلمته بهذه المناسبة، شدّد الرئيس عبد الفتاح السيسي على أن “روح نصر أكتوبر” لا تزال تسكن وجدان المصريين، باعتبارها طاقة خالدة تدفعهم إلى العمل والبناء، وتجعل من التنمية استمرارا طبيعيًا لتضحيات الأبطال.

ومن النصب التذكاري للجندي المجهول إلى ضريحي السادات وعبد الناصر، يتجلى هذا الوفاء العميق لتاريخٍ صاغ وجدان الأمة، ولنهجٍ ثابت يرى في حماية الأمن القومي المصري ركيزةً لاستقرار المنطقة بأسرها.

إن ذكرى أكتوبر ليست مجرد محطة في الذاكرة، بل بوصلة للمستقبل. فالمعارك اليوم لم تعد تُخاض بالسلاح فقط، بل بالوعي، وبالإصرار على حماية السلام الذي وُلد من رحم الحرب.

وبين تحديات الواقع وضباب الأزمات، يظل السادس من أكتوبر شاهدًا على أن مصر لا تصنع التاريخ فحسب، بل تحمي معناه.

فالقوة الحقيقية، كما علّمتنا تلك اللحظة المجيدة، لا تُقاس بعدد الدبابات أو الطائرات، بل بقدرة الأمة على تحويل النصر إلى مشروع سلامٍ يفتح للمنطقة أفقًا جديدًا من الكرامة والاستقرار.

تلك هي روح أكتوبر التي لا تخبو… لأنها ببساطة روح مصر التي نحبّها ونؤمن بها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى