
بقلم: محمد مهدي إيمانى بور
رئيس منظمة الثقافة والعلاقات الإسلامية
تُقدَّم الحرب المفروضة الأخيرة على إيران ـ والتي عُرفت في الخطاب الإيراني باسم «حرب رمضان» ـ بوصفها واحدة من أبرز لحظات المواجهة بين مشروع الهيمنة الدولية ومحاولات بعض الدول الحفاظ على استقلالها السياسي والحضاري. ففي هذه الحرب، كما يرى كاتب المقال، تجلّت صورة من صور الصمود التي تبديها الجمهورية الإسلامية في مواجهة ما يُوصف بـ**«الاستعمار المعاصر»** أو «الهيمنة ما بعد الحديثة» التي تقودها قوى كبرى في النظام الدولي، وفي مقدمتها الولايات المتحدة وإسرائيل.
ويرى الكاتب أن الغرب يسعى في السنوات الأخيرة إلى إعادة صياغة مشروعه الحضاري الذي تشكّل تاريخيًا على أساس النفوذ الاقتصادي والسياسي والعسكري. لكنه يحاول اليوم تقديم هذا المشروع في صورة أكثر حداثة وجاذبية، عبر مفاهيم مثل العولمة والنظام الدولي القائم على القواعد. وفي المقابل، أدى صعود الثورة الإسلامية في إيران إلى بروز قوة إقليمية تعلن رفضها للهيمنة الأحادية التي تقودها الولايات المتحدة وحلفاؤها.
وفي هذا السياق، يستشهد الكاتب بخطابات الرئيس الأميركي السابق Donald Trump خلال حملته الانتخابية لعام 2024، حيث رفع شعار «جعل أمريكا عظيمة مرة أخرى»، وهو شعار يعكس ـ بحسب التحليل ـ رؤية تسعى إلى إعادة تثبيت القيادة الأميركية للنظام العالمي.
وفي المقابل، يشير المقال إلى تصريحات بعض المسؤولين الإسرائيليين، ومن بينهم Bezalel Smotrich وزير المالية في حكومة Benjamin Netanyahu، الذين يتحدثون عن إعادة رسم خريطة المنطقة ضمن تصورات سياسية يربطها بعض المحللين بمشروع ما يُسمّى «إسرائيل الكبرى». ويرى الكاتب أن هذه الطروحات تندرج ضمن تصورات أوسع تتعلق بما يُعرف في الأدبيات السياسية بـ**«النظام العالمي الجديد»**.
أولاً: إعادة تعريف الغرب لمفاهيمه الحضارية
يشير الكاتب إلى أن الغرب عمل خلال العقود الماضية على إعادة تعريف عناصره الحضارية وإعادة إنتاجها بوصفها نموذجًا عالميًا ينبغي أن تتبعه بقية الدول. غير أن هذا المسار واجه تحديات متزايدة مع ظهور دول تسعى إلى صياغة سياساتها الخارجية ومساراتها التنموية بعيدًا عن تأثير القوى الكبرى.
وتُوصف هذه الدول في الأدبيات السياسية غالبًا بأنها «دول مستقلة» أو «فاعلون غير تابعين»، وهي دول تلعب دورًا متناميًا في إعادة تشكيل النظام الدولي. ويذهب الكاتب إلى أن إيران تمثل أحد أبرز هذه النماذج، إذ تبنّت منذ قيام الثورة الإسلامية خطابًا يقوم على الاستقلال السياسي ورفض الخضوع للهيمنة الغربية.
كما يرى أن أحد أهم أدوات هذه الدول يتمثل في تعزيز التعاون الإقليمي والعابر للأقاليم. فعندما تتقارب دول تتشارك رؤى سياسية أو اقتصادية متقاربة، يمكن أن تنشأ شبكات تعاون ثقافي واقتصادي وأمني تسهم في نقل النظام الدولي من مركزية القوة في عدد محدود من الدول إلى توزيع أكثر توازنًا للنفوذ العالمي.
ثانيًا: البعد الهوياتي والحضاري في السياسة الإيرانية
يؤكد الكاتب أن القوة في النظام الدولي لا تُقاس فقط بالقدرات العسكرية أو الاقتصادية، بل يمكن للأفكار والقيم والخطاب السياسي أن تلعب دورًا مؤثرًا أيضًا.
فالدول التي تنجح في طرح روايات سياسية تقوم على العدالة والاستقلال والتنمية الوطنية والتعاون المتكافئ بين الشعوب قد يتجاوز تأثيرها حدود حجمها الجغرافي أو الاقتصادي.
ومن هذا المنطلق، يفسّر الكاتب الحرب الأخيرة على إيران بوصفها مواجهة ذات بعد حضاري، حيث حشدت القوى المعادية ـ بحسب وصفه ـ قدراتها العسكرية والسياسية والإقليمية لمحاولة الحد من صعود نموذج سياسي يرى أنه يتحدى الهيمنة الغربية.
ومع ذلك، يشير المقال إلى أن ما يُعرف بـ**«جبهة المقاومة»** لم تكتفِ بالصمود العسكري، بل سعت أيضًا إلى تقديم رواية سياسية وإعلامية مختلفة للأحداث، تكشف خلفيات الصراع وتحدّ من قدرة خصومها على فرض روايتهم في النظام الدولي.
ثالثًا: نظرة الشعوب المستقلة إلى هذه المواجهة
يرى الكاتب أن إيران لم تعد تُنظر إليها فقط كطرف في صراع سياسي أو عسكري، بل أصبحت بالنسبة لبعض الشعوب رمزًا للمقاومة والاستقلال السياسي.
ولهذا السبب، تتجه أنظار العديد من الدول والمجتمعات إلى مآلات هذه المواجهة التي يصفها الخطاب السياسي لدى بعض الأطراف بأنها صراع بين «قوى الهيمنة» والدول الساعية إلى الاستقلال.
ويعتقد عدد من المحللين، وفقًا لما يورده المقال، أن مستقبل النظام الدولي لن يتحدد فقط في عواصم القوى الكبرى، بل أيضًا في التفاعلات بين الدول التي تحاول رسم مسارات مستقلة في السياسة والتنمية.
وفي هذا السياق، تلعب إرادة الشعوب، وإدارة الموارد الوطنية، وبناء نماذج جديدة للتعاون الدولي دورًا محوريًا في تشكيل ملامح العالم القادم.
خاتمة
يخلص الكاتب إلى أن فهم الحرب المفروضة الأخيرة على إيران لا ينبغي أن يقتصر على أبعادها العسكرية والميدانية فقط، بل يتطلب أيضًا دراسة أبعادها الفكرية والاستراتيجية، وكذلك تحليل طبيعة الرؤى التي تحملها القوى المختلفة بشأن مستقبل النظام الدولي.
ومن خلال هذا الفهم الأوسع ـ كما يرى ـ يمكن تفسير طبيعة هذه المواجهة، وفهم الأسباب التي حالت دون تحقيق خصوم إيران لأهدافهم كاملة في هذه الحرب.



