رأى

زمن اللاإنتصار: عندما تصبح الحروب أداة إدارة لا حسم

Listen to this article

د. محمود ريحان مرجان

ما يحدث اليوم في العالم ليس فوضى عابرة، بل نظام جديد من التعقيد يفوق كل ما عرفه التاريخ؛ فلا توجد حرب واحدة بطرفين واضحين، ولا جبهة واحدة يمكن حسمها، ولا عدو موحد يمكن هزيمته، بل شبكة صراعات متشابكة تُشعل بعناية وتُطفأ بحذر، وكأن أحدًا يمسك بيدٍ مشعل النار، وفي اليد الأخرى خرطوم الماء.

نحن لا نعيش زمن الحروب الكبرى الكلاسيكية، بل زمن “إدارة الحروب”؛ ففي كل صراع جديد يظهر اعتقاد ساذج بأن المعركة ستستغرق أسبوعًا أو شهرًا ثم تنتهي، لكن الواقع يفضح هذه الأوهام، ويكشف أن العالم ينتقل إلى نموذج مختلف: حرب لا تُحسم بل تُدار، ليس لأن أحدًا عاجز عن الحسم، بل لأن الحسم ذاته أصبح مكلفًا إلى درجة الجنون، وأي نصر تقليدي قد يعني هزيمة استراتيجية لاحقة.

لقد أدرك الجميع أن الحرب الشاملة تعني خسارة جماعية؛ فروسيا لا تريد حربًا تفقدها السيطرة على ما تبقى من نفوذها، والصين، التي بنت نهضتها على استقرار الاقتصاد العالمي، لا تحتمل فوضى كبرى تقطع شرايين التجارة، والولايات المتحدة تدرك أن انتصارًا ساحقًا على خصم نووي هو وهم قد يكلفها وجودها. وحتى القوى الأكثر اندفاعًا تتحرك داخل خطوط حمراء غير معلنة، حيث التصعيد مسموح، لكن الانفجار ممنوع.

قد يبدو أن روسيا والصين مستفيدتان من استنزاف أمريكا، وهذا صحيح جزئيًا، لكن الحقيقة الأعمق أنهما تريدان إطالة الصراع دون انفجاره؛ فهما تستفيدان من انشغال أمريكا، لكنهما تخشيان انهيار النظام العالمي الذي يضمن لهما التدفقات المالية والتقنية. إنهما تلعبان لعبة “عدم الاستقرار المُتحكم فيه”.

وهنا يظهر السؤال الأخطر: هل تُستنزف الولايات المتحدة فعلًا؟
الإجابة: نعم، ولكن ليس كما يظن الخصوم، ولا كما يخشى الحلفاء.

فأمريكا تدفع ثمنًا باهظًا: أموالًا طائلة، وجهدًا عسكريًا مستمرًا، وانقسامًا سياسيًا داخليًا، وتراجعًا في صورتها الدولية. لكنها، في الوقت نفسه، لا تخسر وحدها، بل تُدخل خصومها في نفس لعبة الاستنزاف؛ فهي تستنزف روسيا عبر صراعات طويلة الأمد، مثل أوكرانيا، التي تستنزف اقتصادها وجيشها، وتضغط على الصين اقتصاديًا وتقنيًا، فترغمها على إنفاق موارد هائلة لتعويض النقص التكنولوجي، وتحافظ، في الوقت ذاته، على شبكة نفوذ عالمية لم تنهَر بعد، من حلفاء وقواعد عسكرية ونظام مالي لا يزال الدولار فيه العصا الذهبية.

لقد تحولت المعادلة من “من الأقوى؟” إلى “من يتحمل الاستنزاف أطول، ومن يُديره بذكاء؟”. فالعلاقات الدولية لم تعد قائمة على الصداقة أو العداء المطلق، بل على تقاطع المصالح في لحظة معينة؛ فالعلاقة بين إسرائيل والولايات المتحدة ليست سيطرة طرف على آخر، بل توافق مصالح مرحلي. وحتى قرارات دونالد ترامب الصادمة لم تكن نتاج تأثير طرف واحد، بل نتاج رؤيته الشخصية، وضغوط داخلية، وتلاقي مصالح مع حلفاء في تلك اللحظة بالذات.

والإجابة الصادمة لسؤال “من يكسب؟” هي أن لا أحد يكسب، بالمعنى التقليدي للكلمة؛ فالعالم لا يتجه نحو منتصر واحد يملي شروطه، بل نحو نظام جديد: عالم متعدد الأقطاب، حيث تظل الولايات المتحدة الأقوى عسكريًا وماليًا، لكنها ليست المهيمن المطلق، وتصعد الصين اقتصاديًا وتكنولوجيًا، لكنها لا تسيطر بالكامل على قواعد اللعبة، وتؤثر روسيا وتُعطّل، لكنها لا تقود ولا تستطيع فرض نظام بديل.

نحن لا نشهد بداية حرب عالمية ثالثة تقليدية، بل نشهد شيئًا أخطر وأكثر دهاءً: نظامًا عالميًا جديدًا يتشكل أمام أعيننا، ليس عبر انتصار ساحق، بل عبر استنزاف طويل، وصراعات محسوبة، وتوازن قلق لا يهدأ.

في هذا العالم، لن ينتصر الأقوى ولا الأذكى فقط، بل سيبقى من يعرف كيف يدير الفوضى دون أن يغرق فيها، ومن يدرك أن الحروب لم تعد وسيلة لحسم الأمور، بل أصبحت أداة لإعادة توزيع القوة ببطء… دون أن يشتعل العالم كله.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى